تاريخ الثورة الفرنسية
في أواخر القرن الـ18 عاشت فرنسا واحدة من أكبر التحوّلات في تاريخها وتاريخ البشرية، وفترات عنيفة من الاضطراب السياسي. الثورة الفرنسية، التي اندلعت في عام 1789 واستمرت حتى عام 1799، لم تكن مجرد انتفاضة ضد ظلم النظام الملكي، بل كانت نقطة تحوّل اجتماعي وسياسي واقتصادي غيّر وجه فرنسا. وقد امتدت آثار الثورة الفرنسية إلى أوروبا والعالم بأسره، الذي شهد على صراعات عالمية مسلحة امتدت إلى دول عدة.
كان المجتمع الفرنسي في تلك الحقبة منقسمًا إلى 3 طبقات هي:
- الطبقة الأولى النبلاء.
- الطبقة الثانية رجال الدين.
- الطبقة الثالثة العمال والفلاحون والبرجوازيون الصاعدون.
كان النبلاء ورجال الدين حينها يتمتعون بامتيازات واسعة من إعفاءات ضريبية وسلطة سياسية. أمّا طبقة العمال التي تمثل غالبية الشعب، فكانت مثقلة بالأعباء ومحرومة من التمثيل العادل، ومظلومة في ظل نظام ملكي استبدادي.
متى بدأت الثورة الفرنسية؟
بدأت الثورة الفرنسية في 5 مايو من العام 1789، وقد كانت من الثورات الأكثر عنفًا والأكثر أهمية على المستوى العالمي، إذ عايشت فرنسا فترات عنيفة من الاضطراب السياسي طالت الفئات الاجتماعية كافة، وأدت إلى صراعات عالمية مسلحة امتدت إلى دول أخرى.
كم استمرت الثورة الفرنسية؟
استمرت الثورة الفرنسية التي بدأت في عام 1789، 10 سنوات وقد انتهت في 9 نوفمبر من العام 1799.
أسباب الثورة الفرنسية
تُعتبر أسباب الثورة الفرنسية متشعّبة ومتعددة، إذ كانت للثورة الفرنسية أسباب عامة مشتركة مع الثورات الأخرى التي شهدها الغرب في نهاية القرن الثامن عشر، وأسباب أخرى خاصة.
فقد كانت فرنسا تعاني من اختلالات في مجالات عدة أبرزها الاختلال الاجتماعي الناتج عن التفاوت الطبقي الكبير بين الفرنسيين. إذ وكما ذكرنا سابقًا كانت البلاد مقسّمة إلى 3 طبقات اجتماعية، إلا أنّ الطبقة الثالثة المكوّنة من الفلاحين والبرجوازيين والعمال، كانت تتحمل وحدها الأعباء الضريبية في وقت يمتع فيه رجال الدين والنبلاء بالامتيازات والإعفاءات.
العامل السياسي
إلى جانب ذلك شكّل العامل السياسي أحد أهم الأسباب، فقد كان النظام حينها في فرنسا ملكيًا، ولذلك فإنّ السلطة كانت في يد الملك لويس السادس عشر، الذي عُرف بالضعف والتردّد، ما انعكس سلبًا على الحكم والبلاد.
العامل الاقتصادي
عانت فرنسا أيضًا من أزمة مالية واقتصادية خانقة. فقد تدهور الوضع في البلاد وزادت الديون وتفاقم عجز الدولة عن تأمين الحاجات الأساسية لاستمراريتها نتيجة الانفاق المسرف على القصور الملكية والحروب الخارجية، وخصوصًا مع مشاركة فرنسا في حرب الاستقلال الأميركية.
كلّ ذلك أدّى إلى تدهور الأوضاع أكثر وفرض ضرائب إضافية، ما زاد من غضب نقمة طبقة العمال مع تصدي طبقة رجال الدين والنبلاء لأيّ محاولة إصلاح أو تغيير في الواقع. وبالتالي من جرّاء هذه الحال، شهدت المدن ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، ونقصًا في وجود الخبز، ما تسبّب في انتشار الجوع والنقمة. أمّا في الأرياف فالأوضاع لم تكن أفضل حالًا حيث كان الفلاحون يعيشون في الفقر ويعانون من الضرائب.
دور الفلاسفة
وقد تعقدت الأوضاع أكثر فأكثر، مع انتشار أفكار التنوير التي أطلقها عدد من الفلاسفة، مثل جان جاك روسو، ومونتسكيو، وجون لوك. فقد تطرقوا إلى الأوضاع السياسية وتحدّثوا عن شرعية الحكم المطلق، كما دعوا إلى الحرية والمساواة والتمثيل الشعبي.
ونظرًا للسخط الشعبي والامتعاض الكبير والأوضاع المزرية التي كان يعيش فيها العامة، لاقت هذه الأفكار آذانًا صاغية خصوصًا لدى الطبقة البرجوازية المتعلّمة. وقد بدأت هذه الطبقة تطالب بإنهاء هيمنة الطبقة الأولى أي النبلاء، والطبقة الثانية أي رجال الدين على الحياة العامة، كما طالبت بلعب دور سياسي حقيقي. وقد انضم إليها الفلاحون والعمال الذين عانوا كثيرًا وتعبوا من الظلم والاستبداد والحرمان الذي كانوا يعيشونه.
وبالتالي فإنّ أسباب الثورة الفرنسية كانت متشعبة وناتجة عن تراكم طويل لعوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية وسياسية، أدّت إلى انفجار اجتماعي أطاح بواحدة من الأنظمة الملكية في أوروبا، ما فتح الباب أمام تغيرات كبيرة وعصر جديد.
مبادئ الثورة الفرنسية
تسبب الظلم والطبقية باختلافات كبيرة في المستوى المعيشي، الأمر الذي أسفر عن نشوب الثورة الفرنسية. وهذه الثورة لم تكن عبارة عن انتفاضة شعبية بسيطة ضد نظام ظالم ومستبد كما يحصل في العادة، إذ إنها أحدثت تغييرًا جادًّا نتجت عنه تحولات كبرى في تاريخ العالم عمومًا وأوروبا خصوصًا.
انطلقت الثورة الفرنسية من مبادئ سامية، ولذلك برزت حاجة ملحة إلى تكوين مشروع أخلاقي وفكري جديد يختلف عن السابق، ومن هنا جاءت فكرة الجمعية الوطنية الفرنسية التي تشكلت بعد انهيار النظام القديم.
هذه الجمعية قامت بدورها بتكريس المبادئ وأدخلتها ضمن إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي يُعتبر من أهم إنجازات الثورة ويتميز بقوة مؤثرة.
تتصدر الحرية وخصوصًا الحريات للطبقة العاملة والمتوسطة مبادئ الثورة الفرنسية، وقد تضمنتها الجمعية في إعلانها، وهذا ما يدل على الحاجة الكبيرة التي كانت موجودة عند الناس وقتها، للتحرر من القيود المفروضة عليهم من قبل السلطة والكنيسة. لذلك فإنّ الحرية تحوّلت من حلم بالنسبة إلى الأفراد لتُصبح مطلبًا شعبيًّا واسعًا يظهر من خلال الحق في التعبير وحرية نقل الخبر في الصحافة، ورفض التوقيفات التعسفية، بالاضافة إلى التخلي عن التمييز والعادات الظالمة المتوارثة والاستبداد.
وانطلاقًا من الطبقية كانت منتشرة بشكل واسع خصوصًا المجتمعية، والتي كانت تعطي الأولوية للنبلاء ورجال الدين، أتى مبدأ المساواة الذي نادى به الثوار من حقيقة مرة عاشها الشعب وعانى منها في محاولة لتأسيس مجتمع يحترم أفراده ويكرمهم بناءً على كفاءاتهم وإنجازاتهم، وليس على المرتبة الاجتماعية التي ينتمون إليها. مع العلم أنّ هذا ما ظهر في مطالبهم بإرساء نظام الجدارة والعدالة في تولي المناصب.
أما مبدأ الأخوّة، فكان سعيًا لتوحيد صفوف أبناء الوطن الواحد، وتشجيعهم على التعاطف مع بعضهم البعض من أجل بناء أمة متماسكة تتميز بقيم التسامح والاحترام المتبادل. إلا أنّ هذا المبدأ الذي يصعب تحقيقه بالنسبة إلى البعض، تمت مواجهته بتجاذبات وانقسامات سياسية سيطرت على مراحل الثورة الاخيرة، ما أدى إلى تراجع الاهتمام به قليلًا.
بالإضافة إلى ما سبق، حققت الثورة تحولات جذرية أخرى لعل أبرزها مناهضة هيمنة رجال الدين، والكنيسة التي لطالما تمتعت بامتيازات وصلاحيات واسعة من دون أيّ اعتراض أو تدخّل أو مساءلة من أحد، طالتها الثورة أيضًا بشكل يغير الوضع السائد الذي يعفي الكنيسة من الضرائب، ويسمح لها بالتدخل في حياة الناس الخاصة والعامة. فقد أراد الثوار وضع حد لهذه السلطة غير المحدودة التي كانت تتمع بها الكنيسة، فقاموا بمصادرة ممتلكاتها وأعادوا تنظيم علاقتها مع الدولة من خلال ما عُرف بالدستور المدني لرجال الدين. كذلك، سعى الثوار إلى خلق ديانة جديدة تعبّر عن قيم الثورة، في مشهد يعكس تمردًا واضحًا على التقاليد الدينية والسياسية، التي كرست الفساد والخضوع بنظرهم.

أبرز رموز الثورة الفرنسية
لم تكن رموز الثورة الفرنسية عبارة عن شعارات فضفاضة، بل حملت في طياتها أفكارًا ومعانيَ عميقة غيّرت العالم. وانطلاقًا من هذا الواقع، تم اعتبار هذه الرموز خالدة، خصوصًا أنها ما زالت حاضرة وراسخة في ذاكرة الشعوب.
من أبرز هذه الرموز نذكر العلم الفرنسي الذي خرج إلى النور مع اندلاع الثورة، وهو معروف بألوانه الـ 3 الأزرق والأبيض والأحمر. وطبعًا لم يتم اختيار هذه الألوان بالصدفة، إذ لها أبعادها ورمزيتها، فالأزرق يعود للإشارة إلى مدينة باريس التي كانت معقل الثورة، أما الابيض فيرمز إلى النظام الملكي الذي واجهته الثورة وأطاحت به، فيما يشير اللون الاحمر إلى دماء الشهداء الذين ضحوا من أجل حرية وطنهم وإنقاذه من الظلم.
رمز ثانٍ هو شخصية ماريان، وهي امرأة وهمية لم تكن موجودة في الواقع، بل تجسدت في وجدان الفرنسيين للدلالة على مفهوم الحرية والعقل وكرمز للجمهورية. ومن أجل تقريب هذا الرمز إلى الواقع، كانت لماريان صورة ألهمت الأجيال المتعاقبة ورسخت الانتماء للثورة، بدت فيها المرأة المنتفضة التي لا يمكن إخضاعها.
بعد ذلك، يأتي شعار الحرية والمساواة والأخوّة كرمز أساسي من رموز الثورة الفرنسية، وشعار أبدي لا تقوم الثورة من دونه. ومثل كل المبادئ التي نادت بها الثورة فإنّ هذا الشعار ليس سطحيًا، بل يحمل خلاصة فلسفية تتعلق بشكل وثيق بكرامة الإنسان والمبادئ الإنسانية العامة، انطلاقا من رفض التراتبية والطبقية والقمع الاجتماعي والظلم، مع المناداة بضرورة تحقيق التقاسم العادل للحقوق والواجبات.
ولكنّ هذه المبادئ اصطدمت بتناقضات الواقع في فرنسا، إذ مارست الدولة التي رفعت هذا الشعار، استعمارًا واسعًا وابتعدت كل البعد عن المساواة بأسلوبها في إدارة البلد، ما أدى إلى تحول هذه القيم إلى شعارات فارغة في نظر كثيرين ممن كانوا قد آمنوا بها سابقًا.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك أيضًا النشيد الوطني الفرنسي الذي لا يقل أهمية عن الرموز السابقة، وعُرف بأنه صرخة حرية ونبض المقاومة. وعند كتابته تم التركيز على رفع الحماسة في الجنود المدافعين عن الدولة المنشودة، وأصبح رمزًا للصمود.
من هو خطيب الثورة الفرنسية؟
لا يمكن حصر الثورة الفرنسية بوجه واحد. إلا أنّ أحد أبرز الوجوه وخطيب الثورة الفرنسية كان ماكسيميليان روبسبير.
ماكسيميليان روبسبير
يُعتبر روبسبير من أبرز وجوه الثورة التي هزت فرنسا وكان يعبّر عن صوت الشعب الثائر، وحالة الفئة التي عانت لعقود طويلة من الظلم والتهميش.
وإذا أدرنا العودة قليلًا إلى طفولة روبسبير، يمكن أن نفهم حينها الروح الثورية التي نشأت داخله، إذ لعبت البيئة التي ترعرع فيها دورًا مهمًا في ذلك. فهو كبر في أسرة متواضعة ومع جده وسط أجواء قاسية، كانت سببًا أساسيًا للشعور بحس العدالة ورفض القمع والظلم في وقت مبكّر من حياته.
تميز روبسبير أيضًا في فترة الشباب، بنزاهته وتقشّفه، وعُرف بالرجل الذي لا يشترى، خصوصًا انه لم يكن من محبي الامتيازات والمناصب، بل كان يتحداها ويقف بوجهها بقوة. كما هاجم الفساد الذي تفشى في وسط النبلاء، والتسلط الذي عُرف به رجال الدين والكنيسة.
وإلى جانب ظروف نشأته، مهنة روبسبير ساعدته أيضًا، إذ كان محاميًا ولديه قدرة ممتازة على إقناع الآخرين وإلقاء الخطابات واختيار كلماته بدقة، وهكذا تمكن من فرض نفسه في الساحة السياسية وتم انتخابه عضوًا في الجمعية الوطنية كممثل للطبقة الشعبية، وهي كانت الفئة المهمّشة في المجتمع.
وفي الجمعية عُرف روبسبير بمداخلات بالآلاف وُصفت بالقوية، ومواقف صارمة وحازمة كان يشدد فيها على الحرية والعدالة والمساواة، وهي المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية. وقد أُعدم أكثر من 16 ألف شخص خلال فترة حكمه بين العام 1793 والعام 1794. إلا أنه واجه المصير نفسه بعدما انقلب عليه رفاقه، فاعتقلوه وأعدموه بالمقصلة.
وعلى الرغم من المصير الذي لاقاه، إلا أنّ روبسبير كان من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإلهامًا في الثورة الفرنسية، فقد كان من أهم الوجوه التي تحدثت باسم الشعب، هذه الفئة التي لطالما اعتُبرت مهمّشة وطالها الظلم لسنوات طويلة. وقد تأثر خطيب الثورة الفرنسية بفلاسفة عصره خصوصًا مونتسكيو الذي لطالما نادى بالعدالة الاجتماعية.
إلى جانب روبسبير كان هناك عدد من الشخصيات والوجوه البارزة والمؤثرة في الثورة الفرنسية.
فولتير
فولتير يأتي في طليعة هؤلاء. وهو فيلسوف ساخر وناقد جريء، أدّت أفكاره إلى إيقاد نيران الثورة، إلا أنه لم يعش ليشهد حصولها. فقد تسببت أفكار فولتير في تفجير السخط على سلطة الكنيسة والملكية. ودعا إلى حرية الضمير وكرامة الإنسان. كما أنه سخر من سلطة الكنيسة وهاجم فساد رجال الدين، ودعا إلى التسامح الديني والحرية الفردية. تم تكريمه بعد الثورة من قبل الجمعية الوطنية. ورغم أنّ الكنيسة رفضت دفنه وفقًا لشعائرها، تم تهريب جثمانه ودفنه سرًّا، بينما تم تحنيط قلبه وعقله وحفظهما في تعبير عن أنّ فكره لم يمت.
كامي ديمولان
الوجه الثاني البارز هو كامي ديمولان، وهو أحد الأصوات الثائرة التي حرضت على حمل السلاح والانتفاض بوجه ما كان يعانيه الناس، وقد دوى صوته في شوارع باريس. دعا الناس لحمل السلاح والدفاع عن حقوقهم ضد ظلم الملك ومن معه، ليُشعل بذلك فتيل اقتحام سجن الباستيل بعد أيام. ديمولان كان صحفيًا حمل هموم الناس وواجه عنف السلطة بالكلمة والسيف، إلى أن قُتل على المقصلة خلال الثورة.
جان بول مارا
أما جان بول مارا فقد كان وجه الراديكالية الثورية. كان طبيبًا وفيلسوفًا وكاتبًا صحفيًا، كما أنه كان صاحب صحيفة عُرفت باسم "صديق الشعب"، التي كانت بمثابة منبر للتحريض والدعوة إلى القصاص من ما أسماه "أعداء الثورة". دعا جان بول مارا إلى استخدام العنف من أجل تحقيق العدالة، كما كان من الأصوات الأكثر تطرفًا في وجه الخيانة. وكان محبوبًا لدى الفقراء الذين رأوا فيه المدافع الوحيد عن حقوقهم. وقد قُتل جان بول مارا طعنًا في منزله، على يد الشابة شارلوت كورديه بينما كان في حمامه.
أحداث الثورة الفرنسية
كانت للثورة الفرنسية التي اندلعت شرارتها في عام 1789 تأثيرات ملحوظة، بحيث شكلت نقطة تحوّل في تاريخ ليس فقط أوروبا بل العالم أيضًا. فالثورة الفرنسية لم تكن مجرّد ثورة على الضرائب وعلى غياب العدالة الاجتماعية والقرارات الملكية، إنّما كانت ثورة شاملة على نظام شامل اجتماعي واقتصادي وسياسي وأسقطت الملكية وأسست الجمهورية.
وفي العام 1789 عقد مجلس طبقات الأمة اجتماعًا من أجل البحث في موضوع التوصل إلى حلّ عادل بشأن الضراب، إلا أنّ طبقة النبلاء والتي كانت لا تصل نسبتها سوى إلى 2% من السكان، أقدمت على تعطيل كلّ محاولات الإصلاح وردم الهوّة، وذلك من أجل الحفاظ على الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها.
وجاء قرار لويس السادس عشر بفرض مزيد من الضرائب، ليزيد الطين بلة ويكون بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. فهذا القرار فجّر موجة من الغضب بين الناس والطبقات الشعبية وخصوصًا بين الفلاحين والبرجوازيون، معتبرين أنّ ذلك يشكل استمرارًا لنهج الظلم بحقّهم. ولذلك قامت الجمعية الوطنية التي تمثل الطبقة الثالثة، بإعلان تمرّدها على السلطة، ورفضت تنفيذ أيّ مرسوم ملكي ما لم يكن مُقرّا من قبل البرلمان. وهو ما أدّى إلى تزايد الانقسام، إذ صدر قرار ملكي صارم بإغلاق مقر الجمعية الوطنية. وبعد أن كان الوضع معقّدًا، تعقّد أكثر فأكثر بعد هذا القرار، الذي أدى إلى زيادة الغضب والنقمة الشعبية.
ومع تفاقم الأوضاع والأزمة الحاصلة، خرجت التظاهرات والتمردات في أنحاء البلاد كافة. وبات كل ما يخص طبقة النبلاء يشكل هدفًا للمحتجين وخصوصًا قصورهم، التي شكلت أهدافًا للتعبير عن الغضب.
وفي 14 يوليو 1789 تم اقتحام سجن الباستيل، ما شكّل حدثًا أساسيًا، إذ جسد إسقاط رمز القمع الملكي إرادة الشعب في التحرر. وبعدها سارعت الجمعية الوطنية إلى إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن. وقد نصّ هذا الإعلان على أنّ السيادة للشعب، ووشدد على المساواة أمام القانون ورفض الامتيازات الوراثية. كما قامت الجمعية كذلك بإلغاء النظام الاقطاعي وتوزيع الضرائب بشكل عادل، بالإضافة إلى مصادرة أملاك الكنيسة لصالح الشعب.
وبعد ما يُقارب السنة، وفي عام 1791، تم إقرار دستور جديد في البلد حافظ نوعًا ما على النظام الملكي بالشكل، إنّما قلّص صلاحيات الملك وجسد مبدأ فصل السلطات.
بعد كل ما حققته الثورة وما قامت به الجمعية الوطنية، بدأ الانقسام الداخلي ينخر الجمعية، ما تسبب في ظهور خلافات كبيرة وانقسامات حادة بين من يريد الحفاظ على ملكية دستورية، ومن دعا إلى جمهورية كاملة. وفي نهاية ذلك تم اقتحام القصر واعتقال الملك وإعلان الجمهورية في فرنسا. وللوصول إلى ذلك شهدت الثورة الفرنسة فصولًا من الدموية والقتل والعنف، كان من أبرزها مجزرة فانديه التي راح ضحيتها الآلاف.
وبعد المطالبة الحريات للطبقة العاملة والمتوسطة، ومع حلول عام 1794 تراجع التيار الراديكالي أمام البورجوازية المعتدلة التي تسلمت زمام الأمور، وقامت بإعادة تشكيل السلطة بالتحالف مع الجيش.
وفي عام 1799 قاد نابليون بونابرت انقلابًا عسكريًا أنهى من خلاله فصول الثورة وأعلن بداية عهد جديد حمل في طياته إرث الثورة والحقوق والحريات للطبقة العاملة، ومفاهيم التحرر والسيادة الشعبية.
مراحل الثورة الفرنسية
كانت هناك مراحل عدة مرت بها الثورة الفرنسية، وكأن لا تأثير واضح. المرحلة الأولى التي بدأت في عام 1789 واستمرت لغاية العام 1791، قام خلالها الملك لويس السادس عشر باستدعاء المجلس العالمي من أجل الحصول على موافقته في بعض المسائل المالية. ولكن، وبدل دعم الملك لويس السادس عشر والموافقة على ما طلبه، قامت الطبقات الـ3 الممثلة بالنبلاء ورجال الدين والطبقة العامة، بالإعلان عن مجلس تشريعي كما قامت بتقويض النظام الملكي القديم. كما تم سن سلسلة من القوانين التي استهدفت إلغاء الامتيازات التي كانت موجودة سابقًا ما أدّى إلى تفكيك النظام الإقطاعي وبناء أسس جديدة لدولة فرنسية حديثة.
أمّا المرحلة الثانية والتي امتدت بين عامي 1792 و1794، ففيها تطورت الأوضاع بشكل دراماتيكي وتصاعد حدة الثورة. فقد تمّ خلال هذه المرحلة إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى كما تم انتخاب المؤتمر الوطني الفرنسي. وخلال هذه الفترة وتحديدًا في عام 1793، تم إعدام الملك وتأسيس لجنة السلامة العامة التي لعبت دورًا في تنظيم الجيش، إلا أنّ العنف والقمع استمرا.
تلى ذلك المرحلة الثالثة التي امتدت بين عامي 1795 و1799، واستمرت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، إذ وبعد سلسلة من الانقلابات، تسلّم المجلس الإداري الحكم. وخلال هذه الفترة حققت فرنسا انتصارات على الصعيد العسكري، ما مهّد الطريق أمام صعود نابليون بونابرت الذي كان يُنظر إليه في تلك الفترة كمنقذ محتمل للبلاد.
المرحلة الأخيرة كانت المرحلة الرابعة التي جاءت بعد إعدام روبسبير وفقدان الثورة لزخمها، إلى أن ظهر نابليون بونابرت في عام 1799 وقام بانقلاب أعاده إلى سدة الحكم، ثم أعلن نفسه إمبراطورًا في عام 1802. وقد عمل على توسيع النفوذ الفرنسي إلى أن هُزم في معركة واترلو عام 1815، وهي الهزيمة التي أنهت الثورة الفرنسية فعليًا، وأعادت الحكم الملكي إلى فرنسا 
شعار الثورة الفرنسية
تحت شعار الثورة الفرنسية كان "الحرية والمساواة والأخوّة". وهي لم تكن مجرد شعار وكلمات، بل إنها شكلت إعلانًا عن ولادة فكر جديد في فرنسا مهد لعصر المواطنة. كما أسس لمجتمع يرفض فكرة وجود الامتيازات أو الطبقية، وتبني قيم ومبادئ يتساوى فيها الجميع في البلاد أمام القانون.
جذور هذا الشعار يعود إلى نهاية القرن السابع عشر، عندما ربط المفكر فرانسوا فنلون بين هذه المفاهيم والقيم الـ3 في علاقة متكاملة. وقد انتشرت أفكاره بين فلاسفة ذلك العصر وفي الأوساط، وهو ما مهّد الطريق أمام ثورة غيرت الكثير في فرنسا على أصعد عدة سياسية واجتماعية واقتصادية.
رافق شعار الحرية والمساواة والأخوّة الثورة الفرنسية، ورفعه الثائرون خلال تعبيرهم عن الغضب طامحين إلى بناء وطن يقوم على هذه القيم الـ3. وفي عام 1790 اقترح روبسبير أن يتم نقش شعار الحرية والمساواة والأخوّة على بزّات الحرس الوطني وأعلامهم، إلى جانب عبارة الشعب الفرنسي، إلا أنّ هذا الاقتراح لم يرَ النور ولم يعتمد بشكل رسمي في ذلك الوقت. إلا أنّ ذلك لم يؤثر على تأثير الكبير للشعار على الثوار والوجدان الفرنسي. وقد تمت إعادة إحياء هذا الشعار بشكل رسمي خلال احتفالات 14 يوليو 1880، حين تم نقش كلمات الشعار على وجهات المباني العامة، في خطوة تعكس الأهمية الكبيرة لهذا الشعار.
ومع مرور الوقت لم يعد الشعار يقتصر على كونه ذكرى تتعلق بالثورة الفرنسية، بل بات مبدأً في الدستور، بحيث تم إدراجه في دستور الجمهورية الرابعة عام 1946. ومن ثم تم تكريس حضور الشعار من جديد في دستور الجمهورية الخامسة عام 1958، ليصبح جزءًا من التراث الوطني الفرنسي.
ولا يزال شعار الثورة الفرنسية "الحرية والمساواة والأخوّة" حاضرًا حتى يومنا هذا في تفاصيل عدة تتعلق بفرنسا، منها النقود والطوابع ومداخل مدارس ومقرّات الدولة، ليذكر بالثورة التي غيرت التاريخ ويبقى شاهدًا على انتصار القيم الإنسانية التي حلم بها الثوار منذ مئات السنوات.
نتائج الثورة الفرنسية
كان للثورة الفرنسية نتائج جذرية على أصعد عدة. فالثورة التي لم تكن مجرّد انتفاضة على الحكم الملكي الاستبدادي، شكلت نقطة تحوّل فاصلة في تاريخ ليس فقط فرنسا، إنّما دول العالم أيضًا.
لم تكن نتائج الثورة الفرنسية آنية أو محلية بل كانت بداية لعصر جديد. وقد ظهرت نتائج الثورة الفرنسية في 3 أبعاد أساسية، هي سياسية واقتصادية واجتماعية.
أوّلًا وعلى الصعيد السياسي، أدت الثورة الفرنسية إلى الإطاحة بالملكية المطلقة التي كانت ترتكز على الحق الإلهي. كما أنّها أسست لنظام جمهوري مبني على مبدأ فصل السلطات ورفض تدخل الدين في شؤون الدولة. كذلك، كرست الثورة عددًا من المفاهيم والقيم الحديثة كالمساواة وحرية التعبير، وكانت الحجر الأساس التي أسست لنواة الديمقراطية الحديثة.
أمّا على الصعيد الاجتماعي، فقد ألغت الثورة الفرنسية الامتيازات التي تمتع بها النبلاء ورجال الدين على حساب عامة الشعب. وأعادت توزيع الثروة بشكل أكثر عدلًا بين الناس، لأنها أدت إلى مصادرة أملاك الكنيسة لصالح الدولة. إلى جانب ذلك، تبنّت الثورة مبادئ العدالة الاجتماعية. كما شددت على أهمية التعليم من خلال إقرار مجانية التعليم وإجباريته. على الصعيد الاجتماعي أيضًا، أدت الثورة إلى توحيد اللغة الفرنسية وتعميمها ضمن مشروع يهدف إلى خلق هوية وطنية جامعة تنهي التفرقة الإقليمية والثقافية التي كانت سائدة.
على الصعيد الاقتصادي، أدت الثورة إلى إنهاء هيمنة الأرستقراطية على الأراضي والثروات، واقتلعت النظام الاقطاعي الذي كان سائدًا في السابق من جذوره. هذا الأمر سمح ببدء ظهور نظام رأسمالي جديد يقوم على حرية السوق وإلغاء الرقابة الاقتصادية المشددة، بالإضافة إلى إلغاء الحواجز الجمركية الداخلية وتوحيد المقاييس، ما أسّس لنهضة تجارية وصناعية شاملة.

