انتخب مجلس النوّاب العراقي، أمس الخميس، النائب محمود المشهداني رئيساً جديداً للبرلمان العراقي، جاء ذلك بعد فراغ برلمانيّ استمر نحو عام كامل، فشلت خلاله الكُتل السياسية السنيّة بالوصول إلى توافق سياسي لتسمية رئيس البرلمان.
وبقيّ منصب رئيس البرلمان العراقي شاغراً منذ نوفمبر الماضي، حين قررت المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في البلاد)، إقالة محمد الحلبوسي من مهامه كرئيس للبرلمان العراقي، بسبب دعوى قضائية تقدّم بها ضده النائب ليث الدليمي، متهماً الحلبوسي بتزوير استقالته من عضوية مجلس النوّاب، ما دفع المحكمة لإنهاء عضوية الحلبوسي والدليمي معاً.
اتفاقات سرّية
وعلى الرغم من أن مجلس النوّاب العراقي، عقد خلال هذا العام 3 جلسات لانتخاب رئيس جديد للبرلمان، إلا أنها باءت بالفشل، بسبب الخلافات داخل البيت السنّي، لكن تسريات انتشرت عبر الإنترنت، كشفت أنه قبل جلسة أمس، تم خلال لقاء مشترك، اتفاق بين كتلة حزب تقدم السنيّة وقوى الإطار التنسيقي الشيعي، على حسم الملف واختيار المشهداني رئيساً جديداً للبرلمان، وذلك بمباركة زعيم حزب الدعوة الإسلامية ورئيس مجلس النوّاب العراقي السابق نوري المالكي.
وخلال الجلسة الأولى، حصل المشهداني على 153 صوتاً، في حين حصل منافسه سالم العيساوي على 95 صوتاً فقط، بينما حصل النائب المستقل عامر عبد الجبار على 9 أصوات، وبقي 15 صوتاً باطلاً، ما أدّى إلى الانتقال للجولة الثانية لعدم اكتمال نصاب التصويت، حيث يتطلب التصويت على منصب رئيس مجلس النوّاب، الحصول على نصاب قانونيّ قدره النصف زائد واحد من عدد مقاعد البرلمان، أي ما يعادل 166 نائباً من أصل 239.
المشهداني رئيساً للبرلمان
ومحمود المشهداني هو مرشح حزب تقدم الذي يديره القيادي السنّي محمد الحلبوسي، بينما سالم العيساوي هو مرشح حزب السيادة الذي يديره القيادي السني خميس الخنجر. ويرى الحلبوسي أن منصب رئيس البرلمان من حصة حزب تقدم، بينما ترى الكتل السنيّة الأخرى أن المنصب هو استحقاق للمكوّن السنّي وليس محصوراً بحزب أو كتلة.
وخلال الجولة الثانية، فجّر محمد الحلبوسي مفاجأة سياسية، بحضوره شخصياً إلى مبنى رئاسة البرلمان، ما ساهم في زيادة فرص محمود المشهداني بالفوز على منافسه سالم العيساوي، حيث أظهرت نتائج الجولة الثانية فوز المشهداني بـ182 صوتاً، مقابل 42 صوتاً لمنافسه سالم العيساوي.
وأدى فوز المشهداني، الذي خاض تجربة رئاسة البرلمان سابقاً بين عامي 2006 – 2009، إلى خيبة أمل لدى بعض القوى السياسية والشعبية العراقية التي كانت تأمل بالتغيير، حيث عاد إلى الواجهة السياسية بعد مرور نحو 16 عامًا على إقالته من منصب رئيس البرلمان العراقي. بينما رأت قوى أخرى أن المشهداني لديه خبرة سياسية واسعة وسيكون قادراً على إدارة الملف العراقي المعقّد.
الإطار التنسيقي يدعم المشهداني
ويقول المتحدث باسم ائتلاف دولة القانون (تحالف سياسي عراقي بقيادة نوري المالكي) النائب عقيل الفتلاوي، لمنصة "المشهد"، إنّ انتخاب رئيس البرلمان، لا يمكن أن يتم إلا باتفاق سياسي يبدأ من البيت السنّي أولاً لينتقل إلى قوى الإطار التنسيقي، ومن ثم باقي المكونات، وهذا ما تم أمس، حيث أظهرت الجلسة، الإجماع على شخصية محمود المشهداني من قبل مختلف الكُتل السياسية، بالتالي الأصوات التي حصل عليها هي استحقاق سياسي واضح.
وشرح الفتلاوي: "قوى الإطار التنسيقي لا تنفي دعمها للسيد محمود المشهداني، وأول من تمسّك به هي كتلة دولة القانون، كما كرر السيد نوري المالكي مراراً أن مرشحنا هو محمود المشهداني، هذا ما تحقق بالفعل، كما أن قادة الإطار التنسيقي حضروا بكثرة أمس، حتى أنهوا مسألة انتخاب رئيس جديد للبرلمان العراقي".
ويؤكد الفتلاوي أنّ قوى الإطار التنسيقي أرادت أن يتم حسم الملف خلال جلسة أمس، لأن التأخر في انتخاب رئيس للبرلمان سبّب إحراجًا للكتل السنيّة أمام جمهورها الذي ينتظر تسمية رئيس البرلمان قبل انتهاء الدورة التشريعية لمجلس النوّاب، أيضاً أحرج الإطار التنسيقي على المستوى الإقليمي والعالمي، لأن الكثير من الدول تتساءل لماذا لم يتم انتخاب رئيس جديد للبرلمان العراقي.
موقف التيار الصدري
وكان لانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية في البلاد في يونيو 2022، دور واضح في تغيير موازين القوى داخل البرلمان العراقي، حيث أدى انسحاب النوّاب الصدريين إلى صعود القوة الشيعية التقليدية (الإطار التنسيقي) لتصبح أكبر كتلة سياسية في البرلمان، مقابل انسحاب القوة الشيعية الصاعدة (التيار الصدري)، ما يثير تساؤلات من قبيل: هل سيعود الصدر إلى العملية السياسية بعد انتخاب رئيس جديد للبرلمان؟ وبداية دورة تشريعية جديدة في العام 2025؟
ويقول المحلل السياسي المقرب من التيار الصدري عصام حسين لـ"المشهد" إنّ انتخاب محمود المشهداني جاء نتيجة لتحقيق النوايا السياسية لمحمد الحلبوسي ونوري المالكي، وهي عبارة عن محاصصة سياسية وتمثيل لرؤوساء الكتل الحزبية والنيابية، لذلك نرى أنه انها خطوة تهدف لتحقيق مصالح حزبية وسياسية أكثر منها باتجاه تحسين الواقع العراقي. مؤكداً أن التيار الصدري ليس لديه رأي سياسي في هذا الموضوع، على اعتبار أنه انسحب من العملية السياسية، كما لم يصدر أيّ تصريح من جانب الكتلة الصدرية بهذا الشأن.
هل يمكن أن يعود التيار الصدري إلى البرلمان العراقي؟ يجيب حسين: "ما يزال لدينا تمثيل في البرلمان، وهناك خيارات سيطرحها السيد مقتضى الصدر خلال المرحلة المقبلة، لكنها مرتبطة بالظروف السياسية، ربما يعود التيار الصدري إلى العمل السياسي مع بداية الدورة التشريعية الجديدة للبرلمان، ومن الممكن أن يؤجل عودته لأربع سنوات أخرى".
ويرى حسين أن إصرار المالكي على انتخاب المشهداني يعود لسبب واحد، وهو طموحه أن يصبح رئيساً للوزراء بعد إزاحة رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، ليكون له مبرراً لترشيح نفسه مرة أخرى، وفي حال تم الاعتراض سيجيب بأن المشهداني أيضاً من ضمن الحرس القديم وهو الآن على رأس البرلمان.
تجربة الكرد مع المشهداني
وفي المقلب الكردي، يقول المحلل السياسي محمد زنكنة لـ"المشهد"، إن للكرد تجربة سلبية مع محمود المشهداني، خصوصاً عندما أصدر خلال فترة توليه البرلمان، القانون رقم 24 عام 2007، الذي قضى بتقنين توزيع المناصب في كركوك، ما أدّى إلى إقصاء الكرد من العديد من المناصب الإدارية. إلا أنّ السياسية لا تحتمل صراعات دائمة، بل هي عبارة عن مصالح سياسية متغيرة، لذلك محمود المشهداني حصل على أصوات الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال جلسة أمس.
ويوضح زنكنة أنّ اختيار المشهداني رئيساً للبرلمان العراقي، ربما سينقذ العراق من الفراغ السياسي، لكن هذا الإنقاذ سيكون شكلياً، وإن كان تغييراً فهو لملء الفراغ فقط. لذلك لا أظن أن المشهد السياسي سيكون أفضل مما كان سابقاً قبل المشهداني.
ويضيف زنكنة أن كل مطالب الجانب الكردي، خصوصًا فيما يتعلق بتنفيذ المادة 124 (إعادة أراضي الكرد والتركمان)، وتثبيت البيشمركة كقوة دستورية، وحلّ مشكلة الرواتب وغيرها، لا أعتقد أنها ستمرر بسلاسة في ظل انتخاب المشهداني، ستواجه الكثير من التحديات، لكن في الوقت نفسه لا نقول إنها عملية مستحيلة.
الفرق بين المشهداني والعيساوي
من جانبه، يقول المحلل والمعارض السياسي مكرم القيسي لـ"المشهد" إنّ "المشهداني سبق أن ترأس البرلمان، لذلك كنا نطمح إلى شخصيات أخرى، لكن قوى الإطار التنسيقيّ فرضته علينا، إذاً انتخاب المشهداني هو لتمرير قرارات الإطار التنسيقي. لا أعتقد أن التغيير قادم في العملية السياسية، نفس الأوجه والشخصيات، لن يكون هناك أيّ تقدم أو تطور لصالح المواطنين".
وعن أسباب دعم الحلبوسي لمحمود المشهداني، يرى القيسي، أن الحلبوسي لا يريد زعيمًا جديدًا في الأنبار، باعتبار أن سالم العيساوي هو منافس الحلبوسي في محافظة الأنبار، أما المشهداني فهو ليس من محافظة الأنبار بالتالي لا يشكل خطراً عليه، إضافة إلى أن العيساوي شاب ويقترب في العمر من الحلبوسي، لذلك يمكن أن يجذب أصوات الناخبين السنّة، إضافة إلى أنها فرصة للحلبوسي للعودة إلى العمل السياسي في المرحلة المقبلة عن طريق المشهداني.
وعن الفرق بين المشهداني والعيساوي، يقول القيسي: "سالم العيساوي ما يزال شاباً (52 عامًا)، كما أننا لم نعش تجربة سابقة معه كرئيس لمجلس النوّاب، حقق تجربة ناجحة في محافظة الأنبار، والعراق يحتاج إلى وجوه شابة تسعى للتغيير، لكن العودة إلى الماضي ليست من مصلحة العراق. أما المشهداني تجاوز الـ75من عمره، كما ليس لديه شعبية واسعة في الشارع العراقي، لكن التوافقات السياسية هي التي تحكم هذا الشارع وليس أصوات العراقيين".