"كلا كلا للإعدام"، "نعم نعم للعفو العام"، شعارات رفعتها مئات الأمّهات العراقيات، اللواتي توافدن صباح اليوم الثلاثاء 22 أكتوبر إلى ساحة التحرير وسط بغداد، للتظاهر ضد إعدام أبنائهن الموجودين في السجون العراقية، الذين تم اعتقالهم خلال فترة تحرير المدن العراقية من تنظيم "داعش" في العام 2014، بتهم متعلقة بالانضمام للتنظيم وارتكاب أعمال إرهابية ضد الشعب العراقي.
وتزامنت هذه التظاهرات مع انطلاق حملة على منصات التواصل الاجتماعي، حملت اسم "أوقفوا الإعدام التعسفي في العراق"، بعد تسريب معلومات عن تنفيذ السلطات العراقية واحدة من أوسع عمليات الإعدام الجماعي في البلاد، حيث تم خلال شهر سبتمبر الماضي، تسليم ما لا يقل عن 50 معتقلاً لذويهم، بعد أن تم إعدامهم شنقاً في سجن الناصرية جنوبي البلاد. بحسب مرصد "أفاد" الحقوقي الناشط في العراق.
وتداول ناشطون معلومات عن توقيع رئيس الجمهورية العراقية عبد اللطيف رشيد، أعدادًا كبيرة من أوامر الإعدام بحق المعتقلين، ما دفع البعض لاعتبار عمليات الإعدام الجماعي، خطة ممنهجة ضد الطائفة السنية في العراق، حيث إن معظم المعتقلين من الطائفة السنيّة في العراق.
ورغم أن رئاسة الجمهورية العراقية نفت صدور مراسيم بالجملة للمصادقة على أحكام الإعدام الصادرة بحق المحكومين بجرائم إرهابية، فإن بيانها الرسمي كشف بشكل واضح أن الرئاسة لن تتوانى عن القيام بواجبها في المصادقة على أحكام الإعدام بحق الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء العراقيين الأبرياء، بعد أن يستوفي الحكم الإجراءات القانونية كافة، وإعادة عرضه على لجنة العفو العام.
ويرى بعض المحللين السياسيين، أنه من المُستغرب إجراء هذه الإعدامات الجماعية في هذا التوقيت بالذات، أي قبل عدة أشهر من إصدار قانون العفو العام العراقي، الذي يمكن أن يعطي الفرصة للكثير من المعتقلين السنّة لإعادة محاكمتهم، خاصة الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء.
ضغوط إدارية
ويقول الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية الدكتور زياد العرار، لمنصة "المشهد" إن الجميع مُتفق على أن كل من قام بقتل العراقيين يجب أن ينال عقابه العادل وفقاً للقضاء العراقي، تم إصدار أحكام قضائية بحق المتهمين أو المجرمين المدانين بارتكاب عمليات قتل خلال فترة انضمامهم لتنظيم "داعش"، وتم تنفيذ العديد من هذه الأحكام، لكن المُستغرب هو تنفيذ الأحكام في هذه الفترة التي ينتظر فيها الشارع العراقي إقرار قانون العفو العام، بعد أن تمت قراءته القراءة الأولى والثانية في البرلمان العراقي.
ويضيف العرار: "خلال فترة تحرير المدن العراقية من تنظيم داعش في العام 2014، تم اعتقال مئات الشبان العراقيين، بتهم متعلقة بارتباطهم بتنظيمات إرهابية، لكن لم يحصلوا على حقهم الشرعي في المحاكمة القانونية الشرعية، نتيجة سوء الظروف الأمنية والسياسية في تلك الفترة، كما أن هنالك تقارير داخلية وخارجية تتحدث عن سوء إجراءات تحقيق حصلت، واعترافات تحت التعذيب لبعض المعتقلين، لذلك تنتظر العائلات العراقية إقرار قانون العفو العام لإعادة محاكمة أبنائها".
وعن وجود أطراف داخلية أو خارجية تمارس الضغط على رئاسة الجمهورية لتنفيذ عمليات الإعدام الجماعية قبل إقرار قانون العفو العام، يجيب العرار: "أعتقد أن الرئاسة قامت بهذا الإجراء وفقاً للروتين المعتاد، لكن يبدو أن هنالك ضغطا إداريا لتنفيذها، لكن لا أظن أنها ضغوط من جهات معينة لتنفيذ عمليات الإعدام بحق أشخاص محددين وبشكل مباشر".
كما أن أغلب المتهمين بالإرهاب، هم من المجتمع السني في العراق، يقول العرار: "هذه حقيقة نتحدث عنها ولا ننكرها، لكن يوجد معتقلون آخرون ينتمون لطوائف أخرى مثل التيار الصدري وغيرهم، لكن ليس لدينا معلومات هل يتم تنفيذ أحكام الإعدام وفقاً للانتماءات الطائفية، ولا نظن أن معظم المعتقلين سواء سنة أم شيعة قد حصلوا على حقهم بتوكيل محامي دفاع، بل كان سير التحقيقات بوجود المخبرين السريين والاعترافات القسرية والتعذيب".
وعن مصير هؤلاء السجناء، يقول العرار: "يحاول كبار السياسيين العراقيين السنّة التدخل لمنع هذه الإعدامات الجماعية، من خلال تنديدهم بالقرارات ومطالبتهم بإيقافها لحين إقرار قانون العفو، إضافة إلى التظاهرات التي تقوم بها أمهات المعتقلين، والحملات الإلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ربما ستؤدي إلى نتائح إيجابية، تدفع رئاسة الجمهورية للتريث قبل متابعة تنفيذ الأحكام".
من جانبها، تقول مستشارة المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، الدكتورة فاطمة العاني، إن المركز يعمل بالتعاون مع منظمات دولية من أجل إيقاف هذه الإعدامات ورصدها بصورة دقيقة والإعلان عنها، في الوقت الذي تتستر فيه الحكومة عنها، فهناك عمليات إعدام تُفصح عنها الحكومة وأخرى تُخفيها، ما يقلقنا الغموض الذي يكتنف ملف الإعدامات.
وحول عدد الأحكام المُنفذة، تقول العاني لمنصة "المشهد" عنه يبلغ عدد المعتقلين في السجون العراقية أكثر من 75 ألف معتقل، قد يصل عددهم إلى 100 ألف، مشيرة إلى أنه تم رصد إعدام أكثر من 200 معتقل خلال السنتين الماضيتين، فضلاً عن موجة الإعدامات المقبلة، التي وردتنا معلومات أنها قد تصل إلى أكثر من 1500 معتقل، حيث وقّعت الحكومة على ملف الإعدام.
كيف يتم التعامل مع السجناء؟
تشرح العاني لمنصة "المشهد"، الوضع داخل السجون: "التعامل مع المعتقلين والسجناء لا يرقى إلى المعايير الدولية التي وضعتها الأمم المتحدة، ولا إلى مستوى الإنسانية، ولا حتى الدستور العراقي الحالي، هناك الكثير من الانتهاكات التي يتعرضون لها، بدءاً من تركهم يعانون الأمراض، إلى التعذيب النفسي، وأساليب التحقيق المُرعبة، في ظل غياب جهة قانونية أو محامي للدفاع عنهم، فضلاً عن التهديد والوعيد لهم من قبل إدارة السجون بانتهاك أعراضهم وابتزازهم بشكل شخصي".
وتضيف العاني: "هذه المعلومات التي وردت أعلاه تؤكدها تقارير منظمات دولية، حيث إن المحاكمات في العراق تفتقر لأبسط المعايير الدولية، وتعتمد على الحكم بمجرد الشبهة ومعلومات المخبر السري، دون وجود أدلة كافية، كل هذا أدى بالنتيجة إلى مسلسل الإعدامات الجماعية التي زادت حدتها في الأونة الأخيرة".
وترى العاني أن مصير المعتقلين معروف، قائلة "تكرر ذلك على لسان الكثير من السياسيين، بأن المعتقلين سينالون مصير الإعدام وفق جدول زمني محدد، لذا نلاحظ أن قانون العفو العام يتأخر ويُرفض في كل مرة يُعرض للإقرار في جلسات البرلمان، إننا في المركز نناشد عوائل المعتقلين مراراً وتكراراً للضغط على المجتمع الدولي، خصوصا الأمم المتحدة لفرض وصاية على السجون العراقية، وإصدار توصيات دولية لإطلاق سراح المعتقلين".
بدوره، قال المحامي المختص في الشؤون القانونية العراقية محمد جمعة: "لا توجد مادة في القانون العراقي تسمح بالإعدامات الجماعية، يتم تنفيذ حكم الإعدام بعد أن يستنفذ جميع طرق الطعن وفقاً للقانون، وهي كثيرة ما بين التمييز وإعادة المحاكمة وغيرها، كما لا بد من تصديق رئاسة الجمهورية لتنفيذ حكم الإعدام".
وأضاف جمعة في حديثه لمنصة "المشهد" "تجميع أحكام الإعدام وتنفيذها مرة واحدة، يعتبر مخالفا للقانون العراقي، والسؤال هل عمليات الإعدام الجماعية خضعت قبل تنفيذها لجميع المراجعات القضائية والتمييزية وطرق الطعن؟، خصوصاً في ظل اقتراب تشريع قانون العفو الجديد، الذي قد يتيح لمن ارتكب الجرائم بعد العام 2016 أن يقدّم طلباً لإعادة المحاكمة، وتزداد فرصه في البراءة، في حال عرض المتهم تقريرا طبيا يؤكد تعرضه للتعذيب أثناء التحقيق".
ويختم المحامي محمد جمعة حديثه بالقول: "القانون العراقي يُتيح فرص إعادة المحاكمة في حال توفر أدلة جديدة، لذلك لا يجوز التسرّع في تنفيذ حكم الإعدام، بل لا بد أن يخضع لمحاكمات طويلة مقرونة بالأدلة والشهادات وتحت إشراف محام مختص، وبالتأكيد ليس بطريقة جماعية".