في واحدة من أكثر اللحظات دموية وتوترا في تاريخ محافظة السويداء جنوب غربي سوريا، اندلعت خلال الـ24 ساعة الماضية اشتباكات عنيفة غير مسبوقة بين مسلحين من أبناء الطائفة الدرزية من جهة، ومجموعات من عشائر البدو مدعومة بعناصر من وزارتي الدفاع والداخلية السورية من جهة أخرى، وذلك في المناطق الغربية من المحافظة.
وفي تصريح خاص لـ"المشهد"، كشف مصدر مطلع في محافظة السويداء رفض الكشف عن اسمه لدواع أمنية عن حقيقة ما تشهده المحافظة من تصعيد غير مسبوق، متهما الحكومة السورية بالتقاعس عن حماية المدنيين، وبدعم المجموعات التي تهاجم المحافظة.
الوضع في السويداء خطير جدا
وقال المصدر: "الوضع في السويداء محرج جدا وخطير للغاية. هناك عصابات مسلحة تحاول اجتياح المحافظة من كل الجهات، وهي تحظى بدعم مباشر من عناصر تتبع للأمن العام السوري، في ظل صمت رسمي مريب".
وأكد أن الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين الدروز أصدرت بيانات متكررة خلال الأشهر الماضية، دعت فيها إلى التهدئة، وطالبت الدولة بأخذ دورها الحقيقي في فرض الأمن ووقف الفوضى، لكن تلك النداءات لم تجد آذانا صاغية.
من جهته، الصحفي والمحلل السياسي السوري سالم ناصيف، اعتبر في تصريحات لمنصة "المشهد" أن ما تشهده السويداء ليس مجرد جولة عنف جديدة، بل تتويج لانهيار الثقة شبه الكامل بين أهالي المحافظة والحكومة السورية الانتقالية"، قائلا: "ما يحدث الآن هو الأخطر منذ سنوات، ويعيد العلاقة إلى ما قبل نقطة الصفر، ويجعل أي محاولة ترميم مستقبلا أمرا بالغ الصعوبة".
وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد أسفرت المواجهات المسلحة والقصف المتبادل حتى عصر الاثنين عن مقتل 89 شخصا في الاشتباكات الدائرة، وتوزعت الحصيلة على الشكل الآتي:
- 46 مقاتلا درزيا.
- 4 مدنيين من السويداء.
- 18 مقاتلا من البدو.
- 14 من قوات الأمن.
- 7 أشخاص مجهولي الهوية بلباس عسكري.
وفي هذا الإطار، أكد المصدر المطلع رفضه القاطع لسفك الدماء أيا كان الطرف، قائلا: "نحن لا نريد القتال، ولا نفرق بين دم مدني أو جندي، لكن ما يحدث خطير جدا".
وختم المصدر تصريحه بتوجيه نداء عاجل إلى الجهات المعنية، محذرا من أن "السويداء تدفع ثمن صمت الدولة، وإن لم تتحرك سريعا لوقف هذا النزيف، فإن القادم سيكون أشد خطرا على الجميع دون استثناء".
في السياق، أوضح ناصيف أن سقوط عناصر من الجيش كان نتيجة فوضى القرار الأمني، متهما قوات الأمن الداخلي بـ"التحرك بناء على قرارات شخصية، وكأنها تدخل لدعم العشائر من باب العصبية، لا وفق أوامر واضحة"، مشيرا إلى أن "الوضع وصل لمرحلة وكأن السويداء بلد معاد، وهذا أمر لا يجوز".
هجوم عشائر البدو
بدأ التصعيد صباح الإثنين، عندما شنت مجموعات من عشائر البدو، مدعومة بعناصر من الدفاع والداخلية، هجوما انطلاقا من ريف درعا الشرقي على قرى في ريف السويداء الغربي.
وردت وزارة الدفاع بإرسال تعزيزات تشمل أسلحة ثقيلة ومتوسطة، للمشاركة في دعم الحواجز الأمنية، بل والانخراط في القتال المباشر ضد المسلحين المحليين.
ناصيف أكد أن بعض المناطق تعرضت لقصف بطائرات مسيرة من نوع شاهين وبقذائف هاون مصدرها "عناصر أمنية"، مشددا على أن هذا التصعيد إما يشير إلى "عجز الحكومة عن ضبط أجهزتها أو يستخدم كورقة ضغط لإخضاع المحافظة لشروط دمشق".
وشدّد المصدر في هذا السياق على أن "ما يحدث اليوم ليس نتيجة انقسام داخلي كما يشاع، بل العكس تماما. نحن في السويداء موحدون في موقفنا، وندافع عن أنفسنا ضد إرهاب منظم يجري بحق أبناء المحافظة".
وأضاف: "نحمل حكومة دمشق كامل المسؤولية عن هذا الانفلات الأمني. من غير المقبول أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها تجاه مواطنين سوريين، وتقوم في الوقت نفسه بدعم جماعات عشائرية مسلحة تهاجم قرانا وبلداتنا".
ولفت إلى أن السويداء لا تملك أي معبر بري أو بوابة سوى طريق دمشق، قائلا: "إنهم يقطعون عنا شريان الحياة. نحن محاصرون، ومصدر غذائنا ودوائنا واتصالنا بالعالم هو العاصمة، ومع ذلك تمارس ضدنا سياسة خنق ممنهجة".
شرارة أحداث السويداء
وانفجرت الأزمة عقب حادثة اعتداء تعرض لها شاب من السويداء من قِبل مجموعة من أبناء العشائر قرب المسمية، حيث ضرب وسلب ثم أفرج عنه بحالة حرجة.
وردا على ذلك، احتجز أبناء السويداء أفرادا من العشائر، ما دفع الأخيرة إلى نصب حاجز في حي المقوس واحتجاز عدد من المسلحين المحليين، مع قطع طريق دمشق – السويداء الدولي.
وأشار المصدر المطلع في حديثه لمنصة "المشهد" إلى أن حاجز "المسمية" على وجه الخصوص، كان على الدوام مصدر توتر واحتكاك، بسبب ما وصفه بـ"الممارسات الاستفزازية والطائفية" التي يتعرض لها أبناء السويداء خلال مرورهم إلى دمشق، مضيفا: "هناك تهكم على الهوية، وإهانات لفظية، وكلام طائفي يوجه بشكل ممنهج لأبناء المحافظة".
في المقابل، قال الصحفي السوري إن "ما حدث بدأ كحادثة فردية، لكنه انفجر بفعل غياب الدولة عن الطريق الحيوي، وتكرار الابتزاز والخطف دون رد فعل رسمي"، مضيفا أن رد فعل أبناء المحافظة كان "مبالغا فيه وغير مبرر، لكنه نتيجة طبيعية لغياب الأمن".
ومساء الأحد، نجحت جهود قادها وجهاء دينيون واجتماعيون من الطرفين، أبرزهم الشيخ يوسف جربوع والشيخ حكمت الهجري، في التوصل إلى اتفاق مبدئي تضمن إطلاق سراح المحتجزين من الجانبين، لكن دخول أطراف متشددة من جهة السويداء فجّر الوضع مجددا ونسف التهدئة.
وشدد ناصيف على أن "الفصائل المحلية لن تضمن الاستقرار ما دامت تعمل بطريقة عشوائية وتحتكر الحماية، إلا إذا أُدمجت ضمن الأجهزة الرسمية".
وأشار إلى أن التسلح لم يعد حكرا على الفصائل، بل "انتشر بين المدنيين بسبب فقدان الشعور بالأمان".
بيانات إدانة
في محاولة لوقف النزيف، أصدرت الرئاسة الروحية للموحدين الدروز بيانا شديد اللهجة:
- رفض دخول أي جهات خارجية، بما فيها الأمن السوري وهيئة تحرير الشام.
- اتهام مباشر لهذه الجهات بالمشاركة في القصف واستخدام طائرات مسيّرة.
- تحميلها المسؤولية الكاملة عن الدماء المسفوكة.
- دعوة لتدخل دولي لحماية المدنيين.
بدورها، دعت دار الإمارة في عرى بقيادة الأمير أبو يحيى حسن الأطرش إلى:
- الترحم على الضحايا.
- وقف فوري للاقتتال.
- التواصل مع الدولة والوجهاء.
- منح الحوار فرصة حقيقية.
فشل المبادرات الأمنية
إلى ذلك، كشف الصحفي ناصيف أن وزارة الدفاع كانت قد وافقت قبل أيام على تنظيم 800 اسم من أبناء السويداء في تشكيلات رديفة لضبط الأمن المحلي، لكن "عدم وجود آلية تنفيذ واضحة، والتسويف الحكومي، أفشلا المبادرة".
وقال الصحفي السوري لمنصة "المشهد" لقد "جاءت الاشتباكات الأخيرة لتقضي نهائيا على هذه الفرصة"، مضيفا أن "القطيعة اليوم أعمق من أي وقت مضى، وهذا لا يخدم لا السويداء ولا الدولة".
واستبعد ناصيف سيناريو توسع الاشتباكات، مشيرا إلى أن لكل منطقة سياقها الخاص، لكنه نبه إلى أن "تكرار مثل هذه الفوضى في أماكن أخرى وارد في ظل غياب خطاب عقلاني من الدولة".
وأكد أن المحافظ مصطفى البكور يحظى باحترام أبناء المحافظة، وقد يكون الشخص الوحيد القادر على قيادة مسار حوار فعلي.
طائرات إسرائيلية في السماء
وفي تطور مواز، أفادت تقارير إسرائيلية بتحليق طائرات حربية في سماء الجنوب السوري. وفي بيان رسمي، أعلن الجيش الإسرائيلي قصف رتل دبابات سوري في منطقة السميع جنوب البلاد، بزعم تجاوزه الخطوط الحمراء التي رسمتها تل أبيب بعد سقوط النظام السابق.
واختتم ناصيف حديثه لموقع "المشهد" بالتشديد على أن الحل لا يأتي من الرصاص، بل من الحوار والمصالحة والعدالة، داعيا إلى:
- دعم الوساطات العشائرية.
- تنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية تعيد الثقة.
- إشراك جميع مكونات المجتمع.
- نبذ الطائفية.
- تكريس مشروع وطني يشعر فيه الجميع أنهم شركاء لا خصوما.
وختم بالقول: "الدولة تنتصر حين تكسب أبناءها، وعلى المجتمع المحلي أن يرفع صوته مناديا بالسلام".