شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران توترات متكررة على مدى أكثر من 7 عقود، تصاعدت مجدداً مع نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسطولاً بحرياً في الشرق الأوسط وتهديده بعمل عسكري ضد طهران. غير أن جذور الخلاف تعود إلى بدايات الحرب الباردة.
خمسينيات القرن الماضي: الانقلاب وبداية العداء
عام 1951 صوّت البرلمان الإيراني على تأميم صناعة النفط التي كانت خاضعة لسيطرة بريطانية عبر شركة أصبحت تُعرف لاحقاً باسم BP. قاد الخطوة رئيس الوزراء محمد مصدق.
في أغسطس 1953 دعمت الاستخبارات الأميركية والبريطانية انقلاباً سرياً أطاح بمصدق في عملية عُرفت باسم "أجاكس"، وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم، حفاظاً على المصالح النفطية ومنعاً لتمدد النفوذ السوفيتي. هذا التدخل شكّل أساس العداء الشعبي لإيران تجاه واشنطن.
التعاون النووي في عهد الشاه
عام 1957 وقّعت واشنطن اتفاقاً لدعم برنامج نووي مدني إيراني ضمن مبادرة "الذرة من أجل السلام" للرئيس دوايت أيزنهاور، وزودت طهران لاحقاً بمفاعل أبحاث نووي.
في 1968 انضمت الدولتان إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970.
وخلال زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لطهران عام 1972، تعهّدت واشنطن ببيع إيران أسلحة متطورة (باستثناء النووية)، فاشترى الشاه معدات عسكرية بمليارات الدولارات، بينها مقاتلات F-14.
1979: الثورة وأزمة الرهائن
أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه مطلع 1979، وعاد الخميني من المنفى ليؤسس الجمهورية الإسلامية ويصبح مرشدها الأعلى.
في نوفمبر اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 أميركياً لمدة 444 يوماً. قطعت إدارة الرئيس جيمي كارتر العلاقات وفرضت عقوبات، وفشلت محاولة إنقاذ عسكرية أميركية عام 1980.
الحرب العراقية–الإيرانية وتصاعد المواجهة
في 1980 غزا العراق إيران، ودعمت واشنطن بغداد خلال الحرب التي استمرت 8 سنوات رغم علمها باستخدام أسلحة كيميائية.
عام 1984 أدرجت الولايات المتحدة إيران على قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وفي 1988 أسقطت السفينة الأميركية "يو إس إس فينسنس" طائرة ركاب إيرانية فوق مضيق هرمز، ما أسفر عن مقتل 290 شخصاً.
التسعينيات وبداية أزمة البرنامج النووي
فرضت إدارة الرئيس بيل كلينتون عامي 1995-1996 عقوبات مشددة شملت حظراً نفطياً وقانوناً يعاقب الشركات الأجنبية المستثمرة في قطاع الطاقة الإيراني.
في 2002 وصف الرئيس جورج دبليو بوش إيران بأنها جزء من "محور الشر". وفي العام نفسه كُشف عن منشأتي نطنز وأراك النوويتين غير المعلن عنهما، ما فجر أزمة دولية.
محاولات احتواء البرنامج النووي
عام 2003 أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعليق تخصيب اليورانيوم مؤقتاً.
في 2009 كشفت واشنطن وحلفاؤها عن منشأة فوردو تحت الأرض.
عام 2013 جرى أول اتصال رفيع المستوى منذ عقود بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الإيراني حسن روحاني، وتم توقيع اتفاق مرحلي مهد لاتفاق شامل.
2015: الاتفاق النووي ثم الانسحاب
في 2015 وُقّع الاتفاق النووي الشامل (JCPOA)، الذي قيّد تخصيب إيران لليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3.7% وخفّض مخزونها مقابل رفع العقوبات.
لكن في 2018 انسحب ترامب من الاتفاق وأعاد فرض العقوبات ضمن سياسة "الضغط الأقصى"، فردت طهران بتوسيع التخصيب حتى 60%.
2020–2023: اغتيال سليماني وتبادل سجناء
في يناير 2020 قتلت ضربة أميركية بطائرة مسيّرة الجنرال قاسم سليماني في بغداد، وردت إيران بقصف قواعد أميركية في العراق.
حاولت إدارة جو بايدن إحياء الاتفاق عبر مفاوضات غير مباشرة دون نجاح.
عام 2023 جرى تبادل سجناء بوساطة قطر وعُمان، وتحرير أموال إيرانية مجمدة لأغراض إنسانية.
2025–2026: تصعيد عسكري واحتجاجات داخلية
في 2025 استؤنفت المفاوضات، لكن إسرائيل شنت ضربات على منشآت نووية إيرانية، وانضمت الولايات المتحدة بقصف مواقع رئيسية بينها فوردو ونطنز، مستخدمة قنابل خارقة للتحصينات. وردت إيران بقصف قاعدة العديد في قطر في هجوم وُصف بأنه رمزي.
أواخر 2025 اندلعت احتجاجات واسعة بسبب انهيار العملة، طالبت بإنهاء حكم علي خامنئي، وقوبلت بحملة قمع واسعة أسفرت عن آلاف القتلى والمعتقلين بحسب منظمات حقوقية.
رد ترامب بنشر حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" ملوّحاً باستخدام القوة، ومشدداً على ضرورة التوصل إلى “اتفاق نووي موثّق”، معتبراً أن الضربات السابقة أضعفت القدرات النووية الإيرانية.
إذا العلاقات الأميركية–الإيرانية مرت بمحطات من الانقلاب، والثورة، وأزمة الرهائن، والحروب الإقليمية، والعقوبات، والاتفاقات النووية، والاغتيالات، وصولاً إلى التصعيد العسكري والاحتجاجات الداخلية. وهو تاريخ متشابك يجعل أي مواجهة جديدة امتداداً لصراع طويل ومعقد، لا مجرد أزمة عابرة.