hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 بعد الطفل ريان.. هل انتصر المغرب في حربه ضد الآبار العشوائية؟

 فاجعة الطفل ريان هزت أركان القلوب حول العالم
فاجعة الطفل ريان هزت أركان القلوب حول العالم
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • عقب وفاة الطفل ريان قرر المغرب هدم وإغلاق الآبار والحفر المهجورة.
  • المواطنين يلجأون إلى حفر الآبار عشوائيا خصوصا في القرى التي أنهكها الجفاف.
  • خبير دولي في البيئة: نحن نتحدث عن استنزاف 50 سنة قادمة من هذه الآبار الجوفية.

في فبراير من العام الماضي، كانت أنظار العالم تراقب ما يحدث في إقليم شفشاون المغربي، لمتابعة واقعة الطفل ريان الذي انتشل ميتا بعدما ظل عالقا في جب يزيد عمقه عن 60 مترا لخمسة أيام متتالية، في فاجعة هزت أركان القلوب حول العالم، وهو ما دفع بالسلطات المحلية في المغرب إلى شن حرب طاحنة ضد الآبار العشوائية، تفاديا لتكرار نفس السيناريو ووقوع ضحايا جُدد خاصة بين الأطفال.

إنقاذ أرواح

همّت السلطات المغربية إلى إحصاء هذه الآبار العشوائية لأول مرة في تاريخها وتسييج بعضها وردم البعض الآخر تجنبا لحدوث كارثة إنسانية جديدة، وهو الإجراء الذي يثمّنه والد الطفل ريان، خالد أورام الذي أكد في حديثه لمنصة "المشهد"، أن "السلطات أعطت تعليمات صارمة من أجل إغلاق الآبار العشوائية والمهملة في قريته إغران شمالي البلاد، وعملت على ردم عدد منها في ضواحي المنطقة وعدد من القرى في المغرب".

وبأسى كبير ونبرة حزينة، قال والد ريان إن "عزائه في رحيل فلذة كبده هو أن روحه أنقذت العشرات من الأطفال المغاربة ممن كانت تلتهمهم هذه الآبار العشوائية في صمت، وتتهدد أرواح السكان بشكل أخطر من آفة العطش والجفاف".

أزمة العطش

وعقب وفاة الطفل ريان، عمّمت وزارة الداخلية المغربية دورية على مصالحها من أجل هدم وإغلاق الآبار والحفر المهجورة القريبة من التجمعات السكنية.

كما عملت على إحصاء وجرد كل الآبار المهجورة والعشوائية، لا سيّما في القرى والضواحي النائية.

ووجّهت وزارة التجهيز والماء من جانبها، دورية بدورها لمديري وكالات الأحواض المائية للقيام بجرد شامل للآبار العشوائية التي قد تشكّل خطراً على السلامة العامة، وذلك بتنسيق مع السلطات المحلية.

وأسفرت هذه الإجراءات التي بادرت إليها الحكومة، إلى تطويق عدد الآبار فوق الأراضي المغربية، والتي قُدّرت بـ 28 ألفا و600 بئر، ضمنها 26 ألف بئر قديم أو عشوائي حُفر بدون ترخيص من طرف السكان الباحثين عن قطرة ماء يجود بها قلب الأرض الجافة في البوادي والمداشر التي تتكبّد بشكل متفاقم الأزمة المائية التي تعيشها البلاد في السنوات الأخيرة.

وثمّن عبد العالي الرامي، الفاعل المدني ورئيس منتدى الطفولة في المغرب، في تصريح لمنصة "المشهد"، هذه الإجراءات التي بادرت إليها الحكومة على الرغم من تزامنها مع أزمة العطش في المغرب والتي تعد الأسوأ في تاريخه، مشددا على أن واقعة ريان ولّدت حرصا كبيرا وترسانة قوانين جديدة ومذكرات وتعليمات أصدرتها وزارة الداخلية ووزارة التجهيز والماء وانخرطت فيها مجموعة من المديريات على رأسها مديرية الحوض المائي وغيرها من أجل القيام لأول مرة بالإحصاء وثانيا ثم العمل على مراقبة الآبار وتأمينها، وهيكلة ما هو عمل تلقائي لمجموعة من الأسر حفاظا على سلامة أبنائها.

ويرى الرامي، أن واقعة ريان وإن كانت مؤلمة حقا، إلا أنها حركت وعيا كبيرا في صفوف المواطنين المغاربة، سواء بتسابقهم لتسييج الآبار والانتباه لأبنائهم أو بانخراط عدد من الجماعات القروية والحضرية بميزانية من أجل مساعدة الناس على ذلك. وأشار إلى أن "الواقعة تفاعلت معها مؤسسات الدولة التي انتبهت للآبار التي تحفر بطريقة عشوائية، وسنّت مساطر قانونية معقدة لكي لا يفتح أي بئر دون توفره على الشروط وأخذ الرخصة اللازمة من مؤسسات الحوض المائية، بما معناه توجد نقلة نوعية بدليل أنه لم تحدث أي واقعة بعد ريان".

عقوبات بالسجن وغرامات

بالرغم من كون المشرع المغربي لم يتغاض عن تأطير عملية حفر الآبار، بقانون الماء رقم 36.15، والذي يحتوي على 163 مادة مفصلة بدورها إلى عدة أبواب قانونية، إلا أنه وفي أحيان كثيرة لا تطبق مقتضياته القاضية بتنظيم مهنة حفر الآبار وإخضاعها لنظام الترخيص وذلك بسبب أزمة العطش، بحسب ما أكدته الباحثة في الشؤون القانونية وحوكمة التنمية، أسماء العباشي في حديثها لـ "المشهد".

وأشارت العباشي، إلى أن "المواطنين يلجأون إلى حفر الآبار عشوائيا خصوصا في القرى الصغيرة التي أنهكها الجفاف الحاد الذي تعانيه المملكة، وكذلك تركها بدون إشارات تحذيرية أو تنبيهية وذلك على مرأى من السلطات ودونما تحديد لمسؤوليات العقاب".

وفي هذا الإطار، كانت الحكومة قد وافقت أيضا في شهر يونيو الماضي على مقترح قانون في هذا السياق، تقدّمت به الكتلة النيابية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، وينص على معاقبة كلّ من قام بأشغال حفر بئر أو ثقب مائي أو تجويفات أو ممرّ تحت أرضي أو نفق أو تثبيت أنبوب أو قناة من دون اتّخاذ الاحتياطات والإشارات المعتادة أو المقررة قانونا في الورش، بالحبس من شهر إلى 6 أشهر، إلى جانب غرامة نافذة من خمسة آلاف (نحو 500 دولار)، إلى 15 ألف درهم (نحو 1500 دولار)، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما يطالب القانون الجديد، الذي من المرتقب أن تطرأ عليه تعديلات داخل المؤسسة التشريعية المغربية، بمعاقبة كل من لم يتخذ الاحتياطات في هذه الأشغال وأنهاها من دون توفير شروط سلامة الأشخاص من مخاطر محتملة، بالحبس من شهر إلى سنتين، وغرامة نافذة من 10 آلاف (نحو 1000 دولار)، إلى عشرين ألف درهم (نحو 2000 دولار)، وتُضاعَف العقوبة إذا كان المكان آهلا بالسكان.

ويستند القانون، إلى الفصل 31 من الدستور المغربي، الذي يؤكد "أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة".

هل تلتهمنا الأرض؟

من جانبه، يرى مصطفى العيسات، الخبير الدولي في مجال البيئة، ورئيس جمعية البساط البيئي الأخضر، أن التحركات التي بادرت إليها الحكومة المغربية في هذا الإطار تحركها أيضا طبيعة المرحلة "المؤرقة" التي تعرفها المملكة فيما يخص أزمة المياه، خاصة وأن الأمر ذو علاقة مباشرة بالفرشة المائية والمياه غير المتجددة المتواجدة في هذه الآبار، مشيرا إلى أن السلطات همت أيضا إلى إقفال عدد كبير من هذه الآبار العشوائية التي تستغل في أنشطة ثانوية على غرار غسل السيارات، المسابح، وسقي الحدائق في الإقامات السياحية التي تستنزف المياه الجوفية.

وعلى عكس المعطيات الرسمية المتفائلة بتطويق آفة الآبار العشوائية وحصر عددها، لم يخف الخبير الدولي في البيئة في حديثه لمنصة "المشهد" تشاؤمه من هذه الحصيلة مشددا على استحالة تحديد كل تلك الآبار غير المرخصة بالنظر إلى وجود تقنيات جديدة لحفرها عن طريق ما يسمى بـ"الصوندا" وهي حفر صغيرة جدا، بحيث تضم هكتارات واسعة أزيد من 5 أو 6 آبار مفتوحة لا تستطيع ضبطها من الناحية المعاينة، وهو ما يستدعي بحسب الخبير العيسات "وعيا جماعيا بأن الثروة المائية مخزونة لعشرات السنين القادمة وهي حق لهذا الجيل وإرث مشروع للأجيال المقبلة ووجب التعاون معها بشكل متوازن، كما تستدعي تضافر الجهود مكونات الدولة سلطات محلية ومنتخبين ومجتمع مدني".

وأضاف: "نحن نتحدث عن استنزاف 50 سنة قادمة من هذه الآبار الجوفية ونحتاج لقوانين صارمة ومراقبة دائمة وتوعية للمواطن المستعمل لهذه الآبار ليستشعر الأمانة للحفاظ على هذه الموارد المائية كحق دستوري مشروع للسكان ويحمي أطفاله من الخطر المحدق في الآن ذاته".