حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من دخول أوروبا مرحلة ما أسماها بـ"حالة طوارئ جيوسياسية وجيواقتصادية"، مؤكدا أن القارة مهددة بـ"الإقصاء" ما لم تتحرك سريعا لتسريع النمو الاقتصادي، وتخفيف القيود التنظيمية، وتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة التفوق التكنولوجي الأميركي وتدفق الواردات الصينية، وفق "إيكونوميست".
4 محاور رئيسة
إذ جاءت تصريحات ماكرون قبل قمة للاتحاد الأوروبي في غضون اليومين المقبلين، والمخصصة لبحث سبل تعزيز تنافسية التكتل. ودعا قادة ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا ودول أخرى إلى عقد اجتماع تمهيدي قبل القمة، وافق ماكرون على المشاركة فيه لبحث آليات مواجهة هذا التحدي.
ويقوم تصور ماكرون لتسريع النمو وتقليص التبعية الخارجية على 4 محاور رئيسة:
- أولا: تبسيط الإطار التنظيمي الأوروبي، الذي ارتبط على مدى سنوات ببيروقراطية معقدة تُثقل نشاط الشركات وتحدّ من الابتكار.
- ثانيا: تنويع مصادر التوريد وتقليص الاعتماد على عدد محدود من المزوّدين من خارج الاتحاد، ويشمل ذلك تعزيز الدور الدولي لليورو عبر تطوير خطوط مبادلة بالعملة الأوروبية مع الشركاء التجاريين، بالإضافة إلى خفض الاعتماد على أصول استراتيجية خارجية، مثل الغاز الأميركي وخدمات الحوسبة السحابية.
- ثالثا: اعتماد سياسة "التفضيل الأوروبي" لحماية الصناعات الحيوية، وفي مقدمتها الصلب والكيماويات والدفاع، من خلال ربط الدعم الحكومي بنسبة دنيا من المكونات الأوروبية. وفرض قواعد "اشترِ الأوروبي" في المشتريات العامة. ويركز المحور الرابع
- رابعا: مضاعفة الاستثمارات الأوروبية، العامة والخاصة، في مجالات الابتكار، استنادا إلى توصيات تقرير أعده عام 2024 ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي.
إصلاح أوروبي
ورغم أن الدعوات إلى إصلاح أوروبي ليست جديدة، يرى ماكرون أن مستوى الإلحاح الحالي غير مسبوق، واصفا اللحظة بأنها "لحظة غرينلاند"، في إشارة إلى إدراك الأوروبيين المفاجئ لحجم المخاطر. وحذّر من أن الصدمة الأولى، الناتجة عن مخاوف تخلي الولايات المتحدة عن أوروبا، قد تتحول لاحقا إلى "شعور زائف بالارتياح" إذا تراجعت حدة الأزمة، معتبرا ذلك خطأ استراتيجيا جسيما. وقال: "الجميع بحاجة إلى أن يفهم أن الأزمة التي نعيشها تمثل قطيعة جيوسياسية عميقة".
ورغم أن الاتحاد الأوروبي يستجيب لبعض المحاور المقترحة من ماكرون إلا أن التوافق يبدو أكثر صعوبة بشأن قواعد "التفضيل الأوروبي"؛ ففرنسا تواجه اعتراضات قوية على مقترحاتها ضمن "قانون تسريع الصناعة" الجاري التفاوض عليه، إذ تخشى ألمانيا وإيطاليا من أن تؤدي هذه القواعد إلى نزعة حمائية، بينما حذرت دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي وهولندا من أنها قد تقوّض جهود تبسيط القواعد التنظيمية وتدفع الاستثمارات إلى خارج الاتحاد.
فيما يرى محللون أن التشريع قد يمثل "مكسبا كبيرا لفرنسا"، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من "حمائية فرنسية خفية تحت شعار الاستقلال الاستراتيجي"، وهو ما ينفيه ماكرون.
كما جدد الرئيس الفرنسي التزامه بمشروع الدفاع الجوي الأوروبي المشترك "نظام القتال الجوي المستقبلي" الذي يضم فرنسا وألمانيا وإسبانيا، ويشمل تطوير مقاتلة من الجيل الـ6 وطائرات مسيّرة ذاتية وأنظمة اتصالات قتالية. وأكد ماكرون أن المشروع "لا يزال قابلا للنجاح"، مشددا على أهمية استقطاب شركاء أوروبيين جدد لتعزيز قدرته على منافسة الأنظمة الأميركية.
وشدد ماكرون على أن أوروبا لا ينبغي أن تقلل من شأن نقاط قوتها، سواء كسوق تضم نحو 450 مليون نسمة أو كنظام يستند إلى سيادة القانون. لكنه حذّر من أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المزايا إلى أدوات نفوذ جيوسياسي فعالة قبل أن تتقدم قوى أخرى إلى مستوى يصعب معه اللحاق بها.