يعد انقلاب الغابون الأحدث في سلسلة الانقلابات التي ضربت قارة إفريقيا وخصوصا غربها ومنطقة الساحل منذ عام 1950.
وحال نجاحه، من المتوقع أن يصبح الانقلاب العسكري الذي شهدته العاصمة ليبرفيل هو رقم 109 خلال 73 عاما من الانقلابات في إفريقيا.
هذا الرقم الضخم لا يأخذ في الاعتبار محاولات الانقلاب الفاشلة الـ110 الأخرى التي شهدتها القارة في الفترة ذاتها.
ويرى خبراء أنه حين يتم الإطاحة بالسلطة المنتخبة في دولة إفريقية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تتأثر جميعها بنفس الطريقة.
فهل كان انقلاب الغابون متوقعاً؟ لماذا تتكرّر الانقلابات العسكرية في إفريقيا؟ ومن المستفيد من التحولات السياسية في غرب ووسط إفريقيا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، منصة "المشهد" حاورت الخبير في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والمدير التنفيذي لشركة أنترغلوب للاستشارات ريجي أونكبي.
انقلاب الغابون
أعلن عشرات الجنود الغابونيين، يوم الأربعاء 30 أغسطس، "نهاية النظام القائم" وإلغاء الانتخابات الرئاسية وحل "جميع مؤسسات الجمهورية"، كما قرروا إغلاق "حتى إشعار آخر".
واندلعت الأحداث بعد لحظات من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم السبت 26 أغسطس. وكان الرئيس المنتهية ولايته علي بونغو، الذي تولى السلطة منذ 14 عاما، سيحصل على ولاية ثالثة بنسبة 64.27% من الأصوات.
وقد ظهر بونغو الأربعاء بعد اعتقاله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، في مقطع فيديو يحث فيه أنصاره على "الاحتجاج".
في السياق، يقول المحلل الجيوسياسي ريجي أونكبي إن الكثير من التوتر السياسي جرى خلال الحملة الانتخابية للرئيس الغابوني وبعد تنظيم الانتخابات الرئاسية مباشرة لأن معارضة المرشح أوندو أوسا كانت تدين بالفعل التزوير ومصادرة الأصوات الغابونية.
ويرى أونكبي في حديث لمنصة "المشهد" أن علي بونغو معروف بفساده واستغلاله للموارد المالية للبلاد، مشيراً إلى أن "السخط بلغ ذروته بعد الإعلان الخفي في الساعة الرابعة فجرًا عن فوز علي بونغو، الذي نعرف أنه لم يفز قط بهذه الانتخابات"، على حد تعبيره.
واعتبر المصدر ذاته، أن هذا الوضع دفع الجيش لتنفيذ انقلاب وإقالة الرئيس علي بونغو، الذي تدير عائلته البلاد لأكثر من 55 عاماً.
في البداية كان هناك عمر بونغو، الأب، وهو شخصية إفريقية اشتهرت بدعم جميع الرؤساء الفرنسيين لعقود من الزمن. ثم عندما توفي عام 2009، خلفه ابنه علي.
وغالبًا ما كان الحفاظ على إرث العائلة التي تسيطر على البلاد محل نزاع في الشارع.
انقلابات إفريقيا
وعن أسباب ارتفاع عدد الانقلابات العسكرية يوضح أونكبي أن:
- شعوب غرب ووسط إفريقيا سئمت من القوى غير القادرة على ضمان السلامة الإقليمية والسيادة الوطنية والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
- هذه القوى السياسية الإفريقية عمومًا غير كفؤة وتتحول إلى دكتاتوريات دموية، وهذا يعطي الحجج للعسكريين لتنفيذ انقلابات لوضع حد للعمليات السياسية.
- في بعض الأحيان، تؤدي أعمال القوة هذه إلى إيقاف السلطات المنتخبة ديمقراطياً، وهذا يوضح أن هذه الظاهرة لها علاقة أكبر بالجهل بسيادة القانون والحكم الديمقراطي.
وأعلن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد، في بيان صحفي، أنه يتابع الوضع في الغابون "بقلق بالغ"، منددا بـ"الانتهاك الصارخ" لمبادئ المنظمة.
ودعا الاتحاد الإفريقي الجيش الوطني وقوات الأمن إلى ضمان السلامة الجسدية للرئيس علي بونغو وعائلته وحكومته.
مصير علي بونغو
وعن مصير الرئيس علي بونغو، يوضح أونكبي أنه قيد الإقامة الجبرية حاليًا ويجري مكالمات فيديو لطلب المساعدة، ويضيف:
- إذا كان الضغط قويا، وإذا أصبح الضغط الشعبي لصالح الانقلابيين، فإن ذلك سيضفي الشرعية على الانقلاب العسكري.
- إقالة الرئيس ستسمح لهذا البلد الغني بالموارد النفطية والفقراء، بطي صفحة أسرة بونغو.
- لن يكون أمام بونغو أي خيار سوى الاستقالة.
في هذا الإطار، قال قائد الحرس الجمهوري في الغابون بريس أوليغي نغيما، في مقابلة مع "لوموند" إن الرئيس علي بونغو سيكون مثل أي مواطن غابوني يتمتع بجميع حقوقه كمتقاعد.
وعن التخطيط المسبق للانقلاب قبل إعلان نتائج انتخابات 26 أغسطس، وفوز علي بونغو، كشف نغيما أن هناك استياء في الغابون، وسخط بسبب مرض رئيس الدولة، حيث أصيب بسكتة دماغية في أكتوبر 2018، مما أدى إلى "إضعافه أكثر".
وقال رئيس الحرس الجمهوري: "الجميع يتحدث عن ذلك، لكن لا أحد يتحمل المسؤولية. ولم يكن له الحق في الخدمة لولاية ثالثة، وتم انتهاك الدستور، ولم تكن طريقة الانتخاب نفسها جيدة. فقرر الجيش أن يطوي الصفحة ليتحمل مسؤولياته".
ما بعد الانقلابات
وأشار المدير التنفيذي لشركة أنترغلوب للاستشارات إلى أن هذه الانقلابات تهدف إلى الانفصال عن القوة الاستعمارية الفرنسية السابقة، و"إذا كان هذا يدفعنا إلى المزيد من السيادة والمزيد من الكرامة، فيمكننا أن نفرح".
ويأمل أونكبي أن يكون الشعب هو المستفيد الوحيد من هذه الانقلابات، وإلا فإن "الخطر يكمن في العودة الأبدية مع الجنود الذين يفرضون أنفسهم بالقوة، وينسون وعدهم بالتغيير، ويقعون في الفوضى"، على حد تعبيره.
ويعتبر المتحدث ذاته أن دول الساحل ليست آمنة من الانقلابات، "فغينيا، ودول إفريقيا الوسطى مثل الغابون الليلة الماضية، جميعهم يؤكدون أن دول الساحل قد تبنت توجهاً واحداً".
ويقول أونكبي: "إنه وباء الانقلابات العسكرية، هذا يضر بالاستقرار الاجتماعي والسياسي للقارة، لكن يجب أن نكون واضحين للغاية بشأن الانقلابات التي ترتكبها القوى المدنية التي تستغل دستور بلادها لتستمر أطول مدة ممكنة".
وقد يكون لمالي وبوركينا فاسو والنيجر تاريخ من الانقلابات، لكن هذا ليس الحال في السنغال وساحل العاج رغم أنهم مهدّدون أيضا.
أما بالنسبة للغابون فلم تشهد حتى الآن سوى محاولتي انقلابين:
- في عام 1964، بعد حل الجمعية الوطنية على يد الرئيس ليون مبا، أطاح الجنود بالأخير. ثم قرر الجنرال ديغول التدخل الفرنسي لاستعادة الحكومة الشرعية، مما يسمح لمبا بالعودة إلى السلطة.
- في عام 2019، بينما يتلقى الرئيس علي بونغو العلاج في الخارج، حاول الجنود الإطاحة بالنظام. تم إيقافهم بسرعة كبيرة وتم القضاء على الانقلاب في مهده.