تصدّر الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في الـ20 من أكتوبر الحالي، في مختلف مدن إقليم كردستان العراق، حيث حصل الحزب الديمقراطيّ بزعامة مسعود بارزاني في العاصمة أربيل على المرتبة الأولى، بفارق كبير عن أقرب منافسيه وهو حزب الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ الذي يتزعمه بافل طالباني في مدينة السليمانية شمال شرق البلاد.
وأظهرت النتائج التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، فوز الحزب الديمقراطيّ الكردستاني بأكثر من 800 ألف صوت ونسبة 40%، تلاه الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ ما يقارب 400 ألف صوت ونسبة 20%، ثم حزب الجيل الجديد المعارض بقيادة شاسوار عبد الواحد الذي حقق المرتبة الثالثة بعدد أصوات 290 ألف صوت، ونسبة 14%، ما يُعتبر نجاحًا بارزًا لحزب معارض ازداد عدد مقاعده إلى الضعف مقارنة بالسابق.
تفعيل السلطة التشريعية
وستُعيد الانتخابات البرلمانية، لجميع السلطات التشريعية في الإقليم حقها الشرعيّ في العمل، بعد أن جرّدتها المحكمة الاتحادية العراقية من شرعيتها، بسبب انتهاء المدة القانونية للبرلمان السابق، كما ستمهّد الطريق لتشكيل حكومة جديدة في البلاد، التي عانت خلال السنوات السابقة بعض الأزمات الاقتصادية المرتبطة بإيقاف تصدير النفط إلى تركيا وتأخّر توزيع رواتب موظفي الدوائر الرسمية.
وسيتم توزيع الـ 100 مقعد في البرلمان الجديد بحسب التالي:
- الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ 39 مقعدًا.
- الاتحاد الوطنيّ 23 مقعدًا.
- حركة الجيل الجديد 15 مقعدًا.
- الاتحاد الإسلاميّ 7 مقاعد.
- جماعة العدل الإسلاميّ 3 مقاعد.
- مكونات الإقليم (الكوتا) 5 مقاعد.
- جبهة الشعب مقعدان.
- حركة الموقف الوطني 4 مقاعد.
- حركة التغيير مقعد واحد.
- التحالف الكردستانيّ مقعد واحد.
ويقول النائب عن الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ أردلان نور الدين لمنصة "المشهد"، إنّ الحزب يشعر بالرضا نتيجة زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها، بما يقارب 400 ألف صوت عن آخر انتخابات، هذا ما يؤكد أنّ الأحزاب الأخرى لن تكون قادرة على تغيير إستراتيجية أو برنامج الحزب الديمقراطيّ الكردستاني.
وحول الشراكة مع بقية الأحزاب في تشكيل الحكومة الجديدة، يقول نورالدين: "قد يكون هناك اتفاقات عند تشكيل الحكومة على بعض المناصب، لكنّ الحزب الديمقراطيّ لن يتنازل عن برنامجه الخدميّ تحت أيّ ظرف أو طلب من أيّ حزب آخر، هذا لا يعني أننا لا نتفاوض مع بقية الأحزاب حول بعض الفقرات، شرط أن يكون أيّ تعديل يصب في مصلحة المواطنين، خصوصًا في مناطق نفوذ الأحزاب الأخرى".
وحول شخصية رئيس الحكومة الجديدة، كشف نور الدين، أنّ قرار رئاسة الحزب واضح للجميع بأنّ السيد مسرور بارزاني مرشح الحزب لتولي رئاسة الحكومة الجديدة، هذا يُعتبر استحقاقًا سياسيًا لنا، مضيفًا أنّ تشكيل الحكومة لن يتأخر رغم أنّ إجراءات تشكيلها ستكون أكثر تعقيدًا هذه المرة، لكن قريبًا ستجتمع الأحزاب الفائزة ويتم الاتفاق في ما بينهم على تشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدًا أنّ الشراكة مع الاتحاد الوطني الكردستانيّ ستتم وفقًا لنتائج المفاوضات القادمة، ونتمنى سرعة الوصول إلى اتفاق بهذا الشأن.
نجاح التجربة الديمقراطية
وعلى الرغم من أنّ نتائج الانتخابات ما تزال أولية ويمكن أن تتغير، إلا أنّ البعض يرى أنّ حصول الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ على 39 مقعدًا في البرلمان، ليس إلا دليل واضح على نجاح التجربة الديمقراطية في الإقليم، خصوصًا أنها المرة الأولى التي تشرف فيها المفوضية العليا المستقلة في العراق على انتخابات إقليم كردستان، إضافة إلى رقابة بعض المنظمات الدولية التي أكدت أنّ الانتخابات جرت بشكل هادئ وشفاف.
وعن نجاح التجربة الديمقراطية في إقليم كردستان، يقول المستشار الإعلاميّ للرئيس مسعود بارزاني كفاح محمود، لـ"المشهد" إنّ "مسار الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ يُظهر مدى ترسيخه لثقافة تقبّل الآخر، والتعايش السلميّ بين جميع مكونات الإقليم سواء الكرد أو العرب أو التركمان، إضافة إلى احترام الحزب لجميع الأديان الموجودة في الإقليم، المسلمون، المسيحيون، الإيزيديون، الكاكائيون وغيرهم، واعتقد أنّ هذه هي اللبنة الأولى لبناء النظام الديمقراطي.
ويعود محمود إلى العام 1991، إبان انتفاضة الربيع في إقليم كردستان وبداية تكوين إقليم كردستان الفيدرالي، حيث دعا الزعيم مسعود بارزاني خلال خطابه في قضاء كوسنجق التابع للعاصمة أربيل، إلى إرساء النظام الديمقراطيّ وإجراء الانتخابات، وكانت التجربة الأولى في يونيو 1992 حينما ذهب الناخبون إلى انتخاب أول برلمان لكردستان، منذ تأسست الحكومة الأولى وانطلقت العملية الديمقراطية واستمرت حتى الانتخابات الأخيرة التي تجلّت خلالها الديمقراطية، حيث شهدنا 3 ملايين ناخب يتوافدون إلى مراكز الاقتراع بشكل منظّم وهادئ، بوجود مئات المراقبين الدوليّين سواء من الولايات المتحدة والعراق الفيدراليّ والأمم المتحدة والجامعة العربية ومن كل أنحاء العالم.
الاتحاد الوطنيّ غير راضٍ عن النتائج
ورغم أنّ الاتحاد الوطنيّ الكردستاني، كان شريكًا رئيسيًا للحزب الديمقراطيّ في الحكومة السابقة، إلا أنّ رغبة الوطنيّ بكسر سيطرة الديمقراطيّ على مفاصل الحكم كانت واضحة خلال فترة الحملات الانتخابية التي سبقت التصويت، يقول القياديّ في الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ عباس كاريزي لـ"المشهد": "نرى أنّ النتائج جاءت قريبة من الواقع إلى حدّ ما، تتناسب مع حجم التقديرات التي وضعناها، لكنها لا تمثّل طموح الاتحاد الوطني، وكان بإمكان الاتحاد الوطنيّ تحقيق نتائج أفضل، خصوصًا في ظل الدعم الجماهيريّ والشعبيّ الكبير له".
وعن صعوبات تشكيل الحكومة الجديدة، يقول كاريزي، إن الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد الأغلبية التي كان يمتلكها في السابق، والاتحاد الوطني الكردستاني هو ثاني أكبر حزب في الإقليم، والأول على محافظة السليمانية وإدارة كارميان، نحن نعلم أن المفاوضات لتشكيل الحكومة لن تكون سهلة، شروطنا ذاتها التي رفعناها خلال الحملة الإنتخابية، في مقدمتها إنهاء مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان عبر اتفاق جذري وحاسم، حل ملف النفط بما يعود بالفائدة على الإقليم، ضرورة الحفاظ على ثروات إقليم كردستان.
وبعد إعلان النتائج، عبّرت بعض الأحزاب الكردية الناشئة، عن خيبة أملها بتغيير المشهد السياسيّ الكردي، ورأت أنّ ثنائية الحزبين الديمقراطيّ في أربيل والاتحاديّ في السليمانية ستستمر بإدارة أمور البلاد، وسيتم تشكيل الحكومة الجديدة من دون توقعات بتغيير جذريّ في موازين القوى. بينما رأى آخرون أنّ ما يميز هذه الإنتخابات أنها المرة الأولى التي يحصل حزب معارض على 15 مقعدًا في البرلمان.
ويرى المحلل السياسيّ محمد زنكنة، أنّ تغيير المشهد السياسيّ في كردستان لن يكون جذريًا، يقول لـ"المشهد": "لا بد للحزبين الديمقراطيّ والاتحاديّ أن يشاركا في تشكيل حكومة جديدة، توجد فيها بعض القوى الآخرى ربما بعض الإسلاميّين، إضافة إلى مقاعد الكوتا (الأقليات)، حيث سيكون لهم نصيب من الحكومة بوزير مسيحيّ ووزير تركماني، هذا ما يؤكد عليه الحزب الديمقراطيّ بشكل دائم".
كيف سيتم توزيع المناصب السياسية؟ يجيب زنكنة: "اعتقد أنّ رئاسة الحكومة ورئاسة الإقليم ستكونان من نصيب الحزب الديمقراطيّ الكردستاني، أما رئاسة البرلمان ربما يطالب بها الاتحاد الوطنيّ الكردستاني، لذلك لن نشهد تغييرًا جذريًا لأنّ الفائز الأول هو الحزب الديمقراطيّ الكردستاني".
ما موقف بغداد؟
ومنذ انطلاق العملية الانتخابية، تراقب بغداد ما يجري في الإقليم، وتؤكد مباركتها لسير الانتخابات بنجاح، ودعمها لاستقرار الإقليم السياسيّ والاقتصادي، عن ذلك يقول السياسيّ الأكاديميّ الدكتور إياد الجنابي، لـ"المشهد"، إنه من خلال متابعتنا لمراكز المراقبة المحايدة، لاحظنا أنّ انتخابات إقليم كردستان جرت بشكل نزيه ، كما أنّ نسبة المشاركة كانت كبيرة ما يعطي شرعية للانتخابات.
ويؤكد الجانبي أنّ الحكومة الاتحادية في بغداد دعمت نجاح انتخابات برلمان إقليم كردستان، من خلال توفير جميع الأمور اللوجستية والفنية، أيضًا مراقبة المفوضية العليا المستقلة في العراق لسير الانتخايات، يدل على أنّ الحكومة الاتحادية تدعم هذه الخطوة، إضافة إلى مباركة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لنتائج الانتخايات.
هل تدخلت الكتل السياسية في العراق لصالح جهة معينة خلال الانتخابات؟ يجيب الجنابي: لم نلاحظ أيّ تدخل حكوميّ مشبوه في النتائج، لكن لاحظنا محاولة بعض أحزاب الإطار التنسيقيّ دعم حزب على حزب آخر، لكنّ النتائج لم تأتِ كما أرادوا، بل أنتجت مفاجأة مدوّية، وهي فوز الجيل الجديد بضعف مقاعده في البرلمان السابق، وهبوط النسبة التمثيلية لحزب التغيير، وثبات الحزب الديمقراطيّ الكردستاني.