hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الجاهزية الشاملة.. الإمارات تعيد تعريف مفهوم الأمن الوطني

المشهد

الجيش الإماراتي أظهر قدرة عالية في التصدي للتهديدات الجوية الكثيفة (رويترز)
الجيش الإماراتي أظهر قدرة عالية في التصدي للتهديدات الجوية الكثيفة (رويترز)
verticalLine
fontSize

الاستقرار والشعور بالأمان هو ما يبحث عنه الناس في زمن السلم، فكيف في زمن الحرب؟ هكذا يمكن وصف حال الذين يعيشون بالإمارات في هذه الأيام، في ظل الهجمات التي وقعت خلال الأيام الماضية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، والتي تعادل بمجموعها ما أطلق على كافة الدول الأخرى في المنطقة.

العقيدة الدفاعية والأمنية للإمارات

ما يحدث اليوم يمثل نقطة تحوّل في العقيدة الدفاعية والأمنية لدولة الإمارات، فقد انتقلت من مرحلة بناء القدرات العسكرية والتكنولوجية إلى مرحلة يمكن وصفها بـ"السيادة العملياتية" في مواجهة أعقد التهديدات غير النمطية في المنطقة.

تعتمد الإستراتيجية الدفاعية الإماراتية على مفهوم "الدرع المتداخل"، وهو نموذج يوفر استجابة سريعة وحاسمة لطيف واسع من التهديدات، من الصواريخ الباليستية وصولاً إلى الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع. وتجلت فعالية هذه المنظومة خلال الحرب الجارية، إذ حققت القوات المسلحة الإماراتية معدل اعتراض مرتفع تجاوز 96%، وهو ما يضعها في مرتبة تتفوق فيها على أكثر النظم الدفاعية تقدماً في العالم مثل "القبة الحديدية" الإسرائيلية، ما أمّن الحماية الكاملة للسكان من مواطنين ومقيمين.

ويرى الدكتور سيد غنيم، استشاري الأمن الدولي والدفاع، أن الجيش الإماراتي أظهر قدرة عالية في التصدي للتهديدات الجوية الكثيفة، مؤكدًا أن الأسلحة الحديثة التي تمتلكها الدولة أثبتت فعاليتها في تدمير الأهداف التي دخلت المجال الجوي للبلاد، سواء كانت صواريخ أو طائرات مسيّرة.

ويتفق معه اللواء أحمد الشحات، استشاري الأمن الإقليمي والدولي، ويؤكد أن الأداء العملياتي لمنظومة الدفاع الجوي الإماراتية كان "مميزًا وقويًا"، مؤكدًا أن أيّ نظام دفاع جوي في العالم لا يمكن أن يحقق اعتراضًا كاملاً بنسبة 100%، إلا أن المنظومة الإماراتية نجحت في تحييد معظم الصواريخ التي استهدفت الدولة.

شبكة دفاع متعددة الطبقات

الركيزة الأساسية في الدفاع الجوي الإماراتي هي المنظومة متعددة الطبقات، وهي شبكة دفاعية تعمل على مستويات مختلفة من الارتفاع والمدى لضمان التعامل مع جميع أنواع التهديدات الجوية.

يوضح اللواء أحمد الشحات أن هذه الشبكة تقوم على 3 طبقات رئيسية، أولها، الطبقة البعيدة المدى وتعتمد على منظومة "ثاد" الأميركية لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، إلى جانب منظومات باتريوت باك-2 وباك-3 التي لعبت دورًا محوريًا في اعتراض عدد كبير من الصواريخ خلال المواجهات الأخيرة.

كذلك، الطبقة المتوسطة، وتعمل في مدى يتراوح بين 10 و40 كيلومترًا تقريبا، باستخدام منظومات مثل باراك-8 و NASAMS للتعامل مع الصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة.

والطبقة القريبة، التي تتولى التعامل مع التهديدات منخفضة الارتفاع، من خلال أنظمة مثل بانتسير إس-1 وسكاي غارد.

ويؤكد الشحات أن هذا التكامل بين الطبقات المختلفة يسمح بمواجهة أهداف متعددة الارتفاعات والسرعات ضمن منظومة منسقة عالية الكفاءة.

من جهته، يشير الدكتور سيد غنيم إلى أن قوة المنظومة لا تكمن فقط في تنوع الأسلحة، بل في تكاملها العملياتي. فقد ظهر مستوى متقدم من الربط بين الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة، إضافة إلى المقاتلات وأنظمة الدفاع الصاروخي، ما أتاح إدارة المعركة الجوية بكفاءة عالية وتوزيع الأهداف على وسائل الاعتراض المناسبة.

الدفاعات الإماراتية والإنذار المبكر

الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج خلال السنوات الماضية، خصوصاً الهجمات "الحوثية" على المنشآت النفطية والمدن، دفعت إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي، فلم يعد الأمن الوطني لكل دولة كافيا بمفرده، بل أصبح التعاون الدفاعي ضرورة.

في يناير الماضي، أطلقت القيادة المركزية الأميركية بالتعاون مع دول الخليج خلية عمليات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة للشرق الأوسط، بهدف إنشاء صورة رادارية موحدة تسمح بتبادل بيانات الإنذار المبكر خلال ثوان من إطلاق أيّ صاروخ أو مقذوف في المنطقة.

ويلفت الدكتور سيد غنيم إلى أن التطور التكنولوجي في هذا المجال أصبح يسمح باكتشاف بعض التهديدات منذ لحظة إطلاقها من قواعدها، خصوصًا الصواريخ الباليستية، إذا كانت ضمن شبكة إنذار مبكر تعتمد على الأقمار الصناعية. كما تطورت الأنظمة الحديثة لتحديد هوية الهدف وتمييز العدو من الصديق بسرعة شبه فورية، ما يمنح مراكز القيادة القدرة على اتخاذ قرار الاشتباك في الوقت المناسب.

وهنا يؤكد اللواء أحمد الشحات أن أنظمة الإنذار المبكر تمثل جزءاً أساسياً من أيّ منظومة دفاع جوي، إذ تمنح القوات المدافعة زمناً ثميناً للاستجابة. وتشير التجربة الحالية، إلى أن الإمارات تمتلك أنظمة إنذار مبكر متطورة ساهمت في كشف معظم الهجمات ومنع وصولها إلى الأرض.

التعاون الدفاعي الخليجي

رغم التقدم التقني، لا تزال منظومة الدفاع الجوي الخليجية الموحدة في طور التطوير. يشير اللواء أحمد الشحات إلى أن كل دولة خليجية لا تزال تدير دفاعها الجوي بشكل مستقل، رغم وجود مستوى من التنسيق والتعاون بين دول المجلس. ويجري تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات المحتملة، كما يمكن تفعيل آليات القيادة العسكرية المشتركة في حالات الطوارئ.

أما الدكتور سيد غنيم فيشير إلى أن فكرة مركز القيادة الجوي الخليجي الموحد موجودة نظرياً، إلا أن مستوى كفاءته العملياتية خلال الحرب الحالية لا يزال غير واضح بشكل كامل، خصوصاً أن طبيعة الهجمات الصاروخية لا تتيح دائمًا تنسيقًا فوريًا بين وحدات النيران المختلفة.

مع ذلك، فإن التعاون العسكري الخليجي ليس جديداً، ففي عام 1997 وافق قادة مجلس التعاون على مشروع "حزام التعاون" لربط مراكز عمليات القوات الجوية والدفاع الجوي في دول المجلس. وتم تشغيل المرحلة الأولى من المشروع في عام 2001، ويجري تحديثه باستمرار لمواكبة التطور المتسارع في أنظمة الدفاع الجوي.

توحيد المفاهيم القتالية 

عزّزت التمارين العسكرية المشتركة، وعلى رأسها تمرين درع الخليج، مستوى التنسيق العملياتي بين القوات المسلحة الخليجية.

وشاركت القوات الجوية ووحدات الدفاع الجوي الإماراتية في محاكاة هجمات صاروخية ومسيرة متزامنة من اتجاهات متعددة، بهدف تطوير القدرة على التعامل مع سيناريوهات الحرب الحديثة.

ويؤكد القادة العسكريون أن الهدف الإستراتيجي لعام 2026 هو الوصول إلى روابط بيانات في الوقت الحقيقي بين جميع دول مجلس التعاون، بما يخلق شبكة دفاع إقليمية تمتد من سلطنة عمان إلى الكويت.

إدارة الأزمات واستمرارية الحياة

أظهر الوضع الحالي مستوى متقدمًا من إدارة الأزمات في الإمارات، فقد لعبت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث دوراً محوريًا في الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية ومنع انتشار الذعر. وتم تفعيل بروتوكولات الحماية المادية والسيبرانية لمحطات الطاقة والمياه، مع توفير بدائل تشغيلية فورية لأيّ منشأة قد تتعرض للضرر.

وفي القطاع الصحي، نسقت الأجهزة الحكومية برامج محدثة لعمل المستشفيات الحكومية والخاصة لتغطية أي حالة طارئة بشكل سريع، مع تخصيص مسارات طوارئ للتعامل مع أي إصابات محتملة دون التأثير على الخدمات الصحية الاعتيادية.

السيادة التموينية

لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني، وأكد وزير الاقتصاد والسياحة عبد الله بن طوق المري أن منظومة الأمن الغذائي في الإمارات تمثل "خطاً أحمر"، وأن الدولة استعدت لأسوأ السيناريوهات عبر مخزونات إستراتيجية كبيرة.

وأعلنت وزارة الاقتصاد أن الإمارات تمتلك مخزوناً من السلع الأساسية يكفي لنحو 6 أشهر، وتعتمد هذه الجاهزية على 3 عناصر رئيسية، المنصة الرقمية للأسعار والمخزون المرتبطة بـ627 منفذ بيع لمراقبة التوفر والأسعار بشكل لحظي. تنويع مصادر التوريد لضمان استمرار تدفق السلع حتى في حال تعطل بعض الممرات البحرية. التفتيش الميداني، حيث تم تنفيذ أكثر من 420 زيارة تفتيشية خلال فترة الأزمة لضمان التزام الأسواق بالقوانين.

الإمارات ملاذ آمن

في ظل الاضطرابات الإقليمية، يبقى التحدي الأكبر أمام الإمارات هو الحفاظ على مكانتها كبيئة آمنة للاستثمار والسياحة. وعندما أغلقت الأجواء مؤقتاً في 28 فبراير 2026 نتيجة الهجمات، اتخذت الدولة قراراً بتغطية تكاليف الإقامة والإعاشة لأكثر من 20 ألف سائح عالق، عبر توفير الفنادق والوجبات وخدمات النقل مجاناً. كانت هذه الخطوة رسالة واضحة إلى العالم بأن السائح في الإمارات تحت حماية الدولة مثل المواطنين والمقيمين.

إن الجاهزية الوطنية الإماراتية في عام 2026 هي نتيجة رؤية إستراتيجية طويلة الأمد جمعت بين التفوق العسكري والابتكار الصناعي والإدارة الاحترافية. لقد أثبتت التجربة أن الردع لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية فقط، بل أيضاً بالقدرة على حماية الحياة اليومية واستمرار الاقتصاد حتى في أصعب الظروف.