منذ اندلاع الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في 15 أبريل الماضي، والأمور تسير نحو منحى خطير على البلد الذي يمرّ بأحلك الظروف وأدت الاشتباكات الدموية فيه إلى مقتل الآلاف ونزوح الملايين إلى دول الجوار.
في آخر المستجدات، أقدم قائد "الدعم السريع" في السودان الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" للإشارة إلى أن قواته ستبدأ مشاورات لتشكيل سلطة مدنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها إذا استمرت محاولات قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان "إدعاء شرعية زائفة".
وأضاف أن قيام البرهان بتشكيل حكومة يكون مقرها بورتسودان "يعني أننا نتجه نحو سيناريوهات حدثت في دول أخرى بوجود طرفين يسيطران على مناطق مختلفة في بلد واحد".
قوى الحرية والتغيير تُحذر
في المقابل، حذّرت قوى الحرية والتغيير، التجمع السياسي المدني الرئيسي في السودان، أمس الجمعة من أن البلاد قد تنقسم وتنزلق إلى حرب أهلية طويلة الأمد إذا شكل جانبا الصراع العسكريان حكومتين.
وسيطرت قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من العاصمة الخرطوم ومناطق في جنوب غرب ووسط السودان، في حين يسيطر فصيل آخر اشتبك في الآونة الأخيرة في قتال مع الجيش وهو الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو على أجزاء كبيرة من ولاية جنوب كردفان.
وما زال الجيش يسيطر على أجزاء أخرى من البلاد تتضمن بورتسودان على البحر الأحمر التي انتقل إليها بعض المسؤولين الحكوميين والوكالات الدولية.
إلى هنا، تُطرح تساؤلات عدة، أهمها هل تشكيل حكومتين في السودان ممكن؟
هل يُقسّم السودان؟
الكاتب السوداني عمار عوض قال إن فرضية إعلان أحد الأطراف لقيام حكومة ثانية في السودان، موجودة بالفعل، لكن الذي يتحكم في نجاح أو عدم قبول أو رفض الحكومة هما عاملان أساسيان: الشعب السوداني والقوى الدولية.
وأكد عوض في حديث لمنصة "المشهد" أنه "إذا أعلن حميدتي أو البرهان حكومة على الأرض التي يسيطر عليها، فكيف سيتمكن المواطن السوداني من استخراج جواز سفر على سبيل المثال يكون معترفا به من الحكومة الأخرى؟".
وقال عوض: "إن هذه المسألة مهمة جدا، كما أن ابتعاث سفراء للدول في العالم ستكون معضلة أيضا أمام أي حكومة تقام من قبل قوات الدعم السريع خصوصا فيما يخص الاعتراف بها".
وأوضح عوض أن "السودان لديه حكومة معترف بها شعبيا خصوصا في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو التي يسيطر عليها الجيش السوداني".
وأكد أن السودان دولة قائمة ذات سيادة، وذلك يظهر من خلال عمل السفارات والأجهزة الدبلوماسية واستمرار عمل بدولاب أجهزة الدولة أيضا.
من جانبه، يعتقد المحلل السياسي السوداني عمسيب عوض في حديثه لمنصة "المشهد" أن الوضع في السودان "يسير رويدا رويدا على نهج السيناريو الليبي".
وأضاف المتحدث ذاته: "هذا ما يؤكد حديثي سابقا على أن الأزمة السودانية مفتعلة بجهات تسيطر على المشهد وتعمل على زعزعة الأمن في السودان حتى تتمكن من ما تريد من موارد ومواقف وأراضٍ".
وقال عمسيب إنه "إذا سار الوضع على هذه الوتيرة، أتوقع أن يتم تكوين حكومتين متناحرتين في السودان، ما يفاقم الأزمة ويعمل كل طرف على حشد ما يساعده في حسم النزاع المستمر منذ منتصف أبريل الماضي".
ما علاقة التقسيم الإثني؟
وأكد المحلل السياسي أن فرضية التقسيم هي واحدة من الأمور السيئة التي يمكن أن تؤثر على المشهد السوداني إن حصلت، كما أن السودان له تجربه سابقة للتقسيم السياسي وهو الذي يندرج تحت مسمى "التقسيم الإثني" الذي كان موجودا منذ فترة زمنية طويلة.
وأضاف عمسيب: "أتوقع أنه في حال تكوين حكومة ثانية جديدة، أن يساهم هذا الشرخ القديم في جسد الدولة السودانية بشكل سلبي في مستقبل البلاد".
واعتبر أن هذا التقسيم كان يمكن أن يكون واضحا في أي بلد آخر، إلا أنه سيكون بشكل أوضح في السودان، على اعتبار أنه في السودان هناك الكثير من الجهات والإدارات الأهلية التي أيدت قوات الدعم السريع في مسعاها لتشكيل حكومة على الأراضي التي تسيطر عليها قوات "حميدتي".
وخلُص عمسيب إلى التأكيد أنه في حالة خلق حكومة ثانية جديدة، فإن ذلك سيسهم بتفاقم الأزمة في السودان وزيادة حدة الاشتباكات، وأن من سيدفع الثمن في النهاية هو المواطن السوداني على كافة الأصعدة.
تقسيم السودان مستبعد؟
في السياق، قال المحلل السياسي الليبي عز الدين عقيل إن قرار التقسيم هو قرار تحدّده القوى الدولية وليس القوى المحلية.
وبالنسبة له فكرة تقسيم السودان غير مطروحة، على الرغم من "وجود أرضيات ثابتة للصراع بين القبائل العربية والقبائل غير العربية ومع وجود صراع إثني حقيقي دموي مقام على فكرة التقسيم أساسا".
وقالت قوى الحرية والتغيير في بيان نشرته على صفحتها فيسبوك إنها تتابع "بقلقٍ بالغ المؤشرات التي تتصاعد بتلويح طرفي الحرب بتكوين حكومة في مواقع سيطرتهما، وهو أمر خطير للغاية سيترتب عليه تفتيت البلاد وتقسيمها".
وأضاف البيان "قوى الحرية والتغيير تؤكد وانطلاقا من موقفها التاريخي والوطني رفضها التام لهذا الاتجاه الذي يبذر بذور تفتيت وحدة السودان ويعمق الصراع ويوسع دائرة الحرب تمهيدا لتحويلها لحرب أهلية شاملة".