كثّفت الولايات المتحدة دعواتها إلى التوصل إلى إجماع في الأمم المتحدة بشأن خطتها الخاصّة بغزة، في الوقت الذي وزعت فيه روسيا اقتراحًا منافسًا من شأنه أن يستبعد الإشارة إلى سلطة انتقالية من المفترض أن يرأسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويطلب من الأمم المتحدة وضع خيارات لتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار.
ورأى محللون في حديث لمنصة "المشهد" أنه على الرغم من أن المشروع الروسي يرجع في الأساس إلى الصراع الأميركي الروسي على مناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنه يعدّ فرصة جيدة لتقديم تعديلات مقبولة على المشروع الأميركي الخاص بمستقبل القطاع.
لا يذكر المشروع الروسي إنشاء "مجلس سلام" ولا النشر الفوري لقوة دولية، بحسب النص الذي اطلعت عليه وكالة فرانس برس.
مرجعية دولية وليست أميركية
وقال أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب، في حديث لـ"المشهد" إن روسيا ترغب في أن تكون هناك مرجعية دولية فيما يخص غزة وليست مرجعية أميركية أو "مجلس سلام" يشكله ترامب، لافتًا إلى أن المرجعية الدولية ستحصن شكل أكبر هذه القرارات.
يأتي ذلك فيما بدأ الأميركيون رسميًا مفاوضات داخل المجلس بشأن مشروع قرار "يؤيد" خطة دونالد ترامب التي أتاحت وقف إطلاق نار هش في القطاع الفلسطيني بعد عامين من الحرب المدمرة.
يقترح مشروع القرار الأميركي الذي عُدل عدة مرات، منح تفويض حتى نهاية ديسمبر 2027 لـ"مجلس سلام" برئاسة دونالد ترامب، وهز هيئة "حكم انتقالي" لإدارة غزة. كما تمنح تفويضًا لنشر "قوة استقرار دولية".
أما النسخة الروسية، فتكتفي بالإشادة بـ"المبادرة التي أدت إلى وقف إطلاق النار"، من دون تسمية الرئيس الأميركي أو ذكر "مجلس السلام" أو تفويض القوة الدولية.
ويطلب النص من الأمين العام للأمم المتحدة "تحديد خيارات لتنفيذ أحكام" خطة السلام وتقديم تقرير "سريع" يتضمن "خيارات لنشر قوة استقرار دولية" في غزة.
لماذا قدمت روسيا مقترحا آخر؟
بدوره، رأى المحلل السياسي الفلسطيني جهاد حرب، أنّ الخطوة التي قامت بها روسيا جاءت وفقًا لاعتبارين:
- التنافس الأميركي الروسي في الشرق الأوسط باعتبارها بوابة رئيسية لموسكو.
- محاولة روسيا لـنزع التفرد والسيطرة الأميركية على المسألة الفلسطينية حيث أن القرار الأميركي يتحدث عن مجلس السلام وهو مجلس انتقالي ستكون أميركا هي التي تتحكم في تعيين المسؤولين والأعضاء وفقا لخطة ترامب.
وقال حرب إن هناك محاولات من قبل روسيا لمنع التفرّد الأميركي فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني لأنه إذا ما نجحت أميركا في هذا الملف فهذا يعني أنها ستكون لها اليد العليا في عقد اتفاقيات السلام بالشرق الأوسط وهذا قد يؤثر على النفوذ الروسي بالمنطقة.
ورد الناطق باسم البعثة الأميركية في الأمم المتحدة في بيان على الخطوة الروسية باعتبارها "محاولات بث الفتنة، بينما يجري التفاوض بشكل نشط على اتفاق بشأن هذا القرار، تبعات خطيرة وملموسة ويمكن تجنبها تماما على الفلسطينيين في غزة".
وأضاف أن "وقف إطلاق النار هش ونحن ندعو المجلس إلى التوحد والمضي قدمًا لضمان إحلال السلام الذي تشتدّ الحاجة إليه"، معتبرًا ذلك "لحظة تاريخية لتمهيد الطريق نحو سلام دائم في الشرق الأوسط".
في صالح القضية الفلسطينية
رغم أنه بدا حتى الآن أن أعضاء المجلس يؤيدون مبادئ خطة السلام، فقد أشارت مصادر دبلوماسية إلى أنّ النصّ الأميركي أثار عددًا من التساؤلات، منها غياب آلية مراقبة من جانب المجلس، ودور السلطة الفلسطينية، وتفاصيل تفويض قوة الاستقرار الدولية.
وقال الدكتور أيمن الرقب، في حديثه لـ"المشهد" إنّ الورقة الروسية تذكر بشكل أساسي وجود دور للسلطة الفلسطينية في مستقبل القطاع، على عكس الورقة الأميركية، لافتًا إلى أن المقترح الروسي يحمل وجاهة في الكثير من النقاط.
وأوضح أن روسيا خلال العامين الماضيين لم تكن بعيدة عن الحرب الإسرائيلية على القطاع وسعت مع الصين إلى إصدار قرار من مجلس الأمن بشأن وقف الحرب ولكنها كانت تواجه بـ"فيتو أميركي".
ورأى الرقب أن المقترح الروسي قد يُسهم في تعديل الورقة الأميركية، خصوصًا فيما يتعلق باختصاصات قوة السلام في القطاع، وكذلك وضع تصوّر واضح فيما يخص بمستقبل إقامة الدولتين.
يتفق مع هذا الطرح، جهاد حرب، وقال لـ"المشهد": "أعتقد أن أحد أهداف المشروع الروسي، هو التفاوض على تحسين بعض الشروط لصالح الفلسطينيين خصوصًا فيما يتعلق بحل الدولتين".
يُعيد القرار الروسي التأكيد على أهمية حل الدولتين والرغبة في إبقاء السلطة الفلسطينية في السلطة.
ويرفض الاقتراح المضاد "أيّ محاولة لتغيير ديموغرافي أو إقليمي في قطاع غزة" و"يؤكد على أهمية وحدة وتواصل جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية تحت سلطة السلطة الفلسطينية"، وفقًا للمسودة الروسية، التي اطلعت عليها "بلومبرغ نيوز"، والتي لا يزال من الممكن تعديلها قبل تصويت مجلس الأمن.
في المقابل تتجنب الخطة الأميركية الترويج لحل الدولتين بشكل مباشر، لكنها "تُقدّم مسارًا لتقرير المصير الفلسطيني وإقامة دولة".
ورأى المحللان أنه في النهاية سيتبنى مجلس الأمن القرار الأميركي وهو الأقرب للتنفيذ، وأشارا إلى أن اليومين المقبلين قد تتفاوض الولايات المتحدة وروسيا للتوصل إلى صيغة لاتفاق ثم يتم طرح الصيغة في النهاية إلى التصويت أمام مجلس الأمن.
وقال الدكتور أيمن الرقب، إن البيان الصادر من مجموعة الدول العربية والإسلامية بشأن دعم الخطة الأميركية يضع بعض الأطراف في حرج بخصوص تبني القرار الروسي، لافتًا إلى أن السلطة الفلسطينية على سبيل المثال رغم تأييدها للمشروع الأميركي إلا أنها ترى أن المشروع الروسي يعطيها الكثير من الصلاحيات في مستقبل القطاع.
وعلّق جهاد حرب على ذلك بقوله "السلطة الفلسطينية تؤيد القرار الروسي من ناحية الرغبة في وجودها بمستقبل القطاع ولكن بحكم الأمر الواقع تؤيد السلطة المشروع الأميركي".
وأشار إلى أنه من المحتمل أن تكون السلطة الفلسطينية قد تلقت نصائح من بعض الدول العربية بعدم معارضة المشروع الأميركي بشأن غزة أو ربما "تكون السلطة مدركة أن بقاءها في غزة مرتبط بالإرادة الأميركية".