تتزايد ظاهرة ما يُعرف بـ"الأرامل السود" في روسيا، حيث تعمد نساء في مناطق فقيرة ومهمشة إلى الزواج السريع من جنود متجهين إلى مناطق النزاع في أوكرانيا، بهدف تحصيل تعويضات الوفاة الحكومية التي قد تصل إلى 13 مليون روبل (نحو 160 ألف دولار).
وتستغل هذه النساء ارتفاع معدلات القتل بين الجنود الروس في الخطوط الأمامية، حيث لا يتجاوز متوسط بقاء المقاتل في الوحدات الميدانية 12 يوما بعد وصوله الجبهة، وفق تقرير "فورين بوليسي".
التحولات الاقتصادية
ولا يمكن فهم ظاهرة "الأرامل السود" بمعزل عن التحولات الاقتصادية في روسيا خلال فترة الحرب. فقد تسببت الحرب إلى إعادة توزيع غير عادل للموارد الحكومية بما يكشف عن تباينات جمّة، حيث تضاعف الانفاق على القطاع العسكري، في مقابل تراجع الإنفاق الرعائي والاجتماعي.
ورغم أن الفجوة بين المناطق الصناعية الكبرى والمناطق الأكثر فقرا كانت كبيرة قبل الحرب، إلا أنها ازدادت اتساعا بعد تدفق الأموال على مصانع السلاح والذخيرة.
كما تكشف قضايا عديدة، بعضها وصل إلى المحاكم، عن تورط موظفات في مكاتب التجنيد والمعنيين بتسجيل عقود الزواج وكذلك ضباط شرطة في تسهيل زيجات "صورية" لجنود بلا ورثة، مما يحوّل الظاهرة إلى "تجارة" تدعمها شبكات واسعة من الفساد والانتهازية، وفق "فورين بوليسي".
وفي إحدى الحالات، تزوجت امرأة في نيجنفارتوفسك 4 جنود قضوا جميعا، وجمعت نحو 15 مليون روبل قبل كشف أمرها.
وتعكس الظاهرة أزمة أعمق في المناطق الروسية المهمشة، حيث أدى الفقر والبطالة إلى اعتبار الموت على الجبهة وسيلة لتأمين مستقبل العائلة، بعد أن ضاعفت الحرب الفجوة بين المناطق الصناعية والغنية والمناطق الأشد فقرا. كما أسهمت الخسائر البشرية الكبيرة، في ظل تأكيد مقتل ما لا يقل عن 145 ألف جندي، في خلق حوافز وإغراءات جعلت تعويضات الوفاة أكثر جذبا من العمل.
إخفاق الدولة
وفي ظل إخفاق الدولة أو بالأحرى عدم قدرتها على وقف أو الحدّ من هذه الظاهرة ومعالجتها، فإن الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي (اليميني المتطرف)، اقترح حلا يكاد أن يكون مستحيلا، ومفاده فرض عقوبات بالسجن تصل إلى 10 سنوات على الزيجات الصورية ذات الدوافع الاقتصادية، لكن إثبات تلك الدوافع في المحكمة هو أمر مستحيل.
فيما باتت معضلة "الأرامل السود" الوجه الأكثر صدمة لطبقة جديدة نشأت من اقتصاد الحرب، تضم عائلات الجنود الذين يحصلون على مكافآت ضخمة، إضافة إلى شبكات إجرامية تستغل إمكانات الحصول عللا الثروة الطارئة. ورغم محاولات البرلمان الروسي مواجهة الظاهرة عبر تشريعات جديدة، تشير التقارير إلى أن إلغاء الزواج بعد وفاة الجندي لا يستعيد الأموال المصروفة، ما يجعل هذه الظاهرة انحرافا أخلاقيا أكثر منه جريمة قابلة للعقاب.