بعد إعلان فوزه على منافسته كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأميركية، يستعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعودة إلى البيت الأبيض في يناير المقبل 2025، ليكون ثاني رئيس في الولايات المتحدة يفوز بولايتين رئاسيتين غير متتالييتين بعد غروفر كليفلاند.
وأثارت عودة ترامب إلى البيت الأبيض الكثير من التساؤلات، حول تأثير السياسية الأميركية الجديدة على مستقبل المنطقة العربية، خصوصًا الشرق الأوسط الذي يشهد توترات متصاعدة، وكيف سيتعامل الرئيس الجديد مع الملفات المعقّدة، في مقدمتها حرب غزة ولبنان، الفصائل المسلحة في العراق، و"الحوثيين" في اليمن.
وعلى الصعيد العراقي، يرى بعض المحللين السياسيين أنّ عودة ترامب إلى السلطة ستؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي المرتبط بالبنك المركزي الأميركي، كما أنها ستُلقي بظلالها على ملف تصدير الطاقة والنفط العراقي إلى إيران، بينما يرى آخرون أنّ ترامب سيدعم إسرائيل في ضرب مواقع الفصائل المسلحة في العراق وأذرع إيران في المنطقة.
أموال العراق في ظل حكم ترامب
ويقول الباحث المختص في الشأن المالي والمصرفي العراقي مصطفى حنتوش، لمنصة "المشهد"، إن وصول ترامب للسلطة لن يغيّر المشهد الاقتصادي العراقي بشكل جذريّ، لأن ترامب كان رئيساً للولايات المتحدة سابقاً، ويمتلك فهمًا جيّدًا للملف العراقي، كما أن العراق اختلف عن فترة رئاسة ترامب السابقة، أصبح لدينا ملفات جديدة قد تُنقذ العراق من أيّ قرار قد يتخذه ترامب ضد مصالحه الاقتصادية.
ويؤكد حنتوش أن فرض ترامب لأيّ عقوابات جديدة على إيران، لن يؤثر على ملف النفط والغاز العراقي، لأنّ العراق بدأ عملية إنتاج الغاز، وأعطى تصريحات عمل لشركات عالمية بعضها فرنسية وقطرية، لذلك كل ما يحتاجه العراق من الإدارة الأميركية الجديدة هو إمهاله فترة للاستمرار باستيراد الكهرباء والغاز من إيران، لحين اكتمال عملية إنتاج الغاز العراقي والوصول للاكتفاء الذاتي، أظن أن الإدارة الأميركية منفتحة على هذا التطور الاقتصادي العراقي، خصوصًا أنه يُنهي ملف استيراد الكهرباء والغاز من إيران.
وفيما يتعلق بملف الأموال العراقية في البنك المركزي الأميركي، يقول حنتوش إنّ الولايات المتحدة ملزمة بقرار مجلس الأمن رقم 1956 للعام 2010، بمعالجة الدولار العراقي بحسابات أميركية، وإعادته للعراق، حفاظاً على أموال العراق من غسيل الأموال والفساد، وحتى يكون العراق قادراً على إدارة أمواله بنفسه، وتقديم ملف مُقنع للأمم المتحدة، فإن هذه العلاقة مستمرة، لأنّ العراق ليس نداً للولايات المتحدة، بل جزء من استقرار المعادلة الأميركية في الشرق الأوسط.
النفط العراقي في ظل ترامب
وحول تأثير قرارات ترامب المستقبلية على إنتاج النفط العراقي، يقول أستاذ إستراتيجية النفط في جامعة جيهان في أربيل الدكتور كوفند شيرواني، لـ"المشهد"، إنّ السياسية الاقتصادية لإدارة الرئيس الجديد ترامب ستكون أكثر تركيزاً على ضمان المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة، من ضمنها مجالات الطاقة، سيزيد الضغط الأميركي على الدول المنتجة من أعضاء أوبيك (منظمة الدول المصدّرة للنفط) لزيادة إنتاجها والاستمرار في إمداد الأسواق العالمية بكميات كبيرة من النفط، تضمن عدم ارتفاع أسعاره إلى معدلات عالية.
ويوضح شيرواني أن العراق سيكون ضمن خطة ترامب الاقتصادية، وسيدعم زيادة الإنتاج النفطي العراقي، المؤشر الإيجابي، أنه في ظل التهديدات بهجمات متبادلة بين إسرائيل وإيران وأذرعها في المنطقة، كان هنالك اتفاق على عدم استهداف المنشآت النووية والنفطية في أيّ من تلك البلدان، هذا الأمر إيجابي، أيّ أن الصناعة النفطية ستكون بمأمن من الاستهدافات، لأن استهدافها سيخلّف أزمة إقليمية، ربما أيضاً أزمة على مستوى أسواق الطاقة العالمية.
وفي ظل التصعيد غير المسبوق في المنطقة العربية، تُشكل عودة ترامب للبيت الأبيض حدثاً مهماً بالنسبة لإيران والفصائل المسلحة في العراق، حيث تزداد التوقعات بأن ترامب سيدعم إسرائيل في استهدافها للمواقع الإيرانية في العراق والفصائل التابعة لها، كما أنه سيمارس الضغوط القصوى على إيران كما فعل في العام 2018، عندما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني.
المشهد السياسي العراقي في ظل حكم ترامب
ويقول الناشط السياسي والمختص في الشؤون الإيرانية، وجدان عبد الرحمن، لـ"المشهد"، إنّ ترامب سيرد بشكل قاس على جميع أذرع إيران في المنطقة، ليس فقط في العراق، بل أيضاً في سوريا ولبنان واليمن، خصوصا في حال استهدفت هذه الفصائل المصالح الأميركية في المنطقة، وسيدعم استهداف إسرائيل لهذه الأذرع، ستقوم إسرائيل بأعمال موازية مع الإدارة الأميركية للقضاء على كل من يرتبط بإيران.
وعلى صعيد الداخل الإيراني، يرى عبد الرحمن، أن ترامب سيزيد من الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية التي تعيشها إيران، أي أنه سيستخدم العزل السياسي والدبلوماسي، والضغط الاقتصادي من خلال حرمان إيران من مبيعات النفط كما فعل في العام 2018 في الدورة الأولى من الانتخابات، هذا يُضعف النظام الإيراني بشكل كبير، خصوصا أن إيران تواجه مشكلة حادة في ميزانية البلاد، رغم المبيعات الكبيرة للنفط الإيراني.
سياسة الجمهوريين في العراق
ويرى المحلل السياسي العراقي مكرم القيسي أن سياسة الجمهوريين ستكون مختلفة عن سياسية الديمقراطيين الأميركيين الذين أظهروا خلال الفترات السابقة تعاونًا واضحًا مع إيران، وفشل في حل المشكلات الخارجية المرتبطة بالأمن القومي العالمي، لذلك لاحظنا أن ترامب قبيل فوزه بالانتخابات، صرّح بشكل علني، أنه يجب إنهاء النشاط الإيراني في المنطقة، إذاً الفصائل المسلحة في العراق ستتلقى ضربات قوية من أميركا وإسرائيل معاً.
ويرى القيسي أنّ سياسية الجمهوريين ضد الفصائل العراقية المسلحة، لن تكون فقط بضرب مواقعها، بل أيضاً ستحاربها اقتصادياً، وفي حال بدأت الحكومة العراقية بصرف المبالغ النقدية بالدولار الأميركي لهذه الفصائل، سوف تُعاقب على ذلك من قبل إدارة ترامب والجمهوريين بشكل عام.
وحول انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق مع وصول ترامب للسلطة، يجيب القيسي: الولايات المتحدة تمتلك قواعدًا داخل العراق، بالتالي انسحاب القوات الأميركية بشكل تام لن يتم، لأنّ هذه القواعد وُجدت للسيطرة على الشرق الأوسط، والعراق يمتلك موقعًا إستراتيجيًا في المنطقة، لذلك من المستبعد أن تنسحب قوات التحالف الدولي بشكل كامل من العراق.
تغيير الرئيس لا يغير الأهداف الأميركية
وفي المقابل، يرى الباحث الإعلامي الدكتور نجم العيساوري، أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، لا تنتظر انتخاب الرئيس لتغيير إستراتجيتها، بل إستراتيجيتها معروفة في المنطقة، خصوصًا في العراق، لكن ما سيتغير هو الإعلان عن المواقف وتوقيت التنفيذ، انتخاب ترامب كرئيس للولايات المتحدة له تداعيات أخرى، مرتبطة بطبيعته الشخصية في إدارة الأمور، وكيفية تنفيذ هذه الإستراتيجيات.
ويرى العيساوي أن كل ما يحصل من ممارسات أو إجراءات أميركية في الشرق الأوسط، يعود لأهداف محددة هي مصلحة أميركا واقتصادها وقوتها وهيمنتها على العالم، أيّ أن الولايات المتحدة عندما تتحدث عن الاستقرار في الشرق الأوسط، إنما هو مرهون بمصلحة أميركا وليس بمصلحة الشعوب العربية، كل قرار تتخذه هو لترسيخ الهيمنة والسيطرة على الموارد الاقتصادية والقرار السياسي في الدول العربية، إذاً الإدارة الأميركية سواء كانت من الجمهوريين أو الديمقراطيين سياستها واحدة، ما يختلف هو الخطاب الدبلوماسي فقط.