في ظل الهواجس العالمية من اتّساع نطاق نيران حرب غزّة، ثمة حريق آخر لا يزال مستمراً منذ نحو نصف قرن تقريباً بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني على الحدود التركية-العراقية، قبل أن يوسّع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان دائرتها لتشمل مناطق سيطرة "قسد" في شمال شرق سوريا.
ويتصاعد التوتّر بين مسلّحي حزب العمال الكردستاني، والجيش التركي الذي تكبّد خسائر كبيرة في الآونة الأخيرة نتيجة هجمات مركّزة من قبل "الكاريلا" كما يسمّى الحزب الكردي المدرج على قوائم إرهاب أنقرة وحلفائها عناصره المسلّحة، مقابل استهدافات واسعة النطاق للمسيّرات والمقاتلات التركية في كل من شمال العراق، وخصوصاً سوريا.
بالأمس، قُتل 9 جنود أتراك وأصيب 4 آخرون خلال اشتباكات مع مسلّحين من "حزب العمال الكردستاني" حاولوا التسلل إلى قاعدة تركية في شمال العراق، وفق ما أعلنت مصادر تركية رسمية.
عداء تاريخي تركي – كردي
تمتد جذور الصراع بين أنقرة وحزب "العمال الكردستاني" إلى عداء تركي-كردي قديم، غداة الإعلان عن الجمهورية التركية من قبل مؤسسها مصطفى كما أتاتورك، حيث شهدت الحقبة والعقود التي لحقتها ثورات واضطرابات قادها الكرد الرافضين لفكرة "الدولة القومية التركية".
مع تأسيس "العمال الكردستاني" في عام 1978، أعلن الحزب اليساري الكفاح المسلّح في بداية الثمانينات، في حرب لا تزال مستمرة، لم تقتصر على جنوب شرق تركيا، حيث الأغلبية الكردية، بل امتدّت نيرانها لتصل إلى العاصمة أنقرة واسطنبول وغيرها من الولايات التركية.
وفي عام 2013، حدثت نقلة نوعية في العلاقات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، حيث بدأت الحكومة التركية مفاوضات مع الحزب سعياً لإيجاد حل للقضية الكردية، لكن سرعان ما عاد الاقتتال من جديد بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2015.
لكن سرعان ما انهار الاتّفاق، لتشدّد الحكومة التركية الخناق على الأكراد من جديد، مستغلةً محاولة انقلابية شهدتها البلاد في عام 2016، واستهدفت نشطاء أكراد، على الرغم من اتّهامها حركة فتح الله غولن بالوقوف وراء الانقلاب.
في سوريا، أدّى إنشاء "الإدارة الذاتية" الموالية للكرد بعد دورهم في القضاء على تنظيم "داعش" بمساعدة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، إلى تصاعد مخاوف أنقرة "من انشاء كيان كردي وتشكيله خطراً عليها"، خصوصا وأن نسبة الأكراد في تركيا تشكل 20% من السكّان.
وتحت ذريعة هذه المخاوف، شنّت تركيا عددا من العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية تحت مسميات مختلفة، مثل درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام.
وتتّهم الحكومة التركية الأحزاب الموالية للكرد في تركيا، والتي تتغير أسمائها بشكل مستمر تحت سيف القضاء المسلط على رقاب أفرادها، بالارتباط بـ"حزب العمال الكردستاني"، وهي التهمة السارية على "الإدارة الذاتية"، التي تسيطر على شمال وشرق سوريا بحكم الأمر الواقع، وأجنحتها السياسية والعسكرية من "قوات سوريا الديمقراطيا" و"وحدات حماية الشعب" و"حزب الاتحاد الديمقراطي" و "مجلس سوريا الديمقراطي" "مسد" وغيرها
تصعيد على الحدود في الأشهر الأخيرة
تكرر تركيا باستمرار عزمها القضاء على حزب العمال، وتشن هجمات مستمرة ضده. وكثاني هجوم في هذا العام، شنت تركيا غارات جوية ليل الجمعة - السبت على أهداف تابعة للأكراد في شمال العراق وسوريا بعد مقتل 9 من جنودها في هجوم، حسب ما ذكرت وزارة الدفاع التركية.
كذلك لا يفوت إردوغان فرصة إلا ويوجّه فيها اتهامات للحزب بالأرهاب. ففي كلمته قبل أيام في فعالية بالعاصمة أنقرة بمناسبة الذكرى الـ97 لتأسيس جهاز الاستخبارات التركي "ميت"، أشار إردوغان إلى أن أنقرة ربما تُمهل لكنها لا تدع الخيانة والإرهاب من دون حساب، مضيفا "جعلنا ما يسمى الكادر القيادي لتنظيم حزب العمال الكردستاني غير قادر على مغادرة أوكاره بفضل عملياتنا الاستخبارية النوعية في سوريا والعراق".
في هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السياسي الكردي حسين عمر في حديثه إلى منصة "المشهد" إن حزب العمال الكردستاني يبدو أنه عاد إلى عملياته ما قبل وقف إطلاق النار، أو حتى إلى حقبة التسعينيات عندما كان هناك عمليات ضد الجيش التركي في ما يسمونه منطقة "كردستان"، العمليات جديدة ونوعية ولم نشهدها سابقا، خصوصا أنه يتم شنّها في طقس بارد جدا، وضمن تضاريس وعرة، في وقت يشكل فيه فصل الشتاء بالنسبة لمقاتلي الحزب فترة سبات".
ويشرح عمر أن "العملية الأخيرة جرت في منطقة "زاب" وهي منطقة حدودية لتركيا ويوجد فيها قواعد للجيش التركي، وأي تحرك في هذه المناطق الحدودية وفي هذا الطقس يشكل خطرا على القوات الكردية، لكن يبدو أن التكتيكات العسكرية الجديدة التي يستخدمها مقاتلو حزب العمال قد أثرت بعمق على الجيش التركي وأدت إلى وقوع عدد كبير من القتلى خلال العمليتين الماضيتين".
ويرجع عمر التصعيد في الأشهر الأخيرة إلى "عدم قيام الدولة التركية بأي خطوة تجاه المسألة الكردية في تركيا، فقد أعلن حزب العمال طوال الأعوام الماضية ومنذ اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان عن العديد فترات وقف إطلاق النار، لكن الحكومة التركية القائمة، المتمثلة بالعدالة والتنمية والتي قالت حين تسلّمها الحكم إنها ستحل القضية الكردية، لم تفعل أي شيء في هذا السياق، على العكس من ذلك، صعّدت الهجمات ضد حزب العمال ومؤيديه بالداخل التركي".
من جهته، يقول الأميرال المتقاعد من الجيش التركي توركار أرتورك في تصريح خاص إلى منصة "المشهد" إن "هناك ضعفا في مكافحة الإرهاب، من أجل نجاح هذه العملية يجب أن تتضافر الجهود على مستوى تركيا، السلطات كانت تتحدث عن بقاء أعداد قليلة من الإرهابيين فقط، وأن المخابرات التركية تعرف حتى مقاس أرجلهم، لكن تبيّن أن هذه التصريحات لم تكن صحيحة".
ويلفت أرتورك أنه "من الخطأ الاحتفاظ بقواعد عسكرية ثابتة في المنطقة (جبال شمال العراق) في مثل ظروف الشتاء الحالية، حيث إنه ليس الاشتباك، بل حتى الحفاظ على شروط استمرارية الحياة صعبة للغاية. مواقع التمركز يجب أن تتغير بتغير الظروف والمناخ والمعلومات الاستخباراتية".
وأشار إلى أنه "على القوّات العسكرية التركية الدخول إلى مناطق معينة وفق المعلومات الاستخباراتية والقضاء على التهديد ومن ثم العودة، بينما الوضع الحالي مع بقاء مواقع للجيش في هذه المناطق يبدو أشبه بدعوة العمال الكردستاني إلى تنفيذ هجمات ضدها".
وردّاً على الاجتماع الأمني الذي عقده الرئيس إردوغان اليوم قال الأميرال أرتورك، "مثل هذه الاجتماعات في البلاد التي تحكم بنظام الشخص الواحد لا تأتي بنتائج، بل تكون وسيلة فقط لإثبات صحة طروحات ذلك الشخص. لكي تكون الاجتماعات مثمرة يجب أن يكون هناك صدام بين الآراء وتحليلات".
وأضاف "بعد كل عملية يتم الإعلان (من قبل وزارة الدفاع التركية) أنه تم القضاء على إرهابيين وتدمير أهداف. إن كانوا يعلمون عن هذه الأهداف لماذا لم يتم تدميرها مسبقاً؟ لماذا انتظرنا إلى حين وقوع قتلى؟ ما يتم الإعلان عنه نظريات رياضية قُتل منا 10 فقتلنا 12. هذا لا يبعث بالطمأنينة في نفوسنا".
وأردف "الهدف من التصريحات تهدئة المجتمع والرأي العام فقط، يتم الإعلان عن أرقام قتلى من الإرهابيين، إذا كانت الاستهدافات جوية كيف يتم التأكد من عدد القتلى؟".
الصراع التركي – الكردي في 2024
برأي الباحث السياسي الكردي فالتصعيد سيستمر في الأشهر المقبلة وذلك لأن "حزب العمال الكردستاني وصل إلى نتيجة مفادها أن حكومة إردوغان ليس لديها أي نية بالمفاوضات، لذلك يبرر حزب العمال الكردستاني التصعيد بسبب انسداد أفق الحل السياسي، الذي يؤدي دائما إلى تصاعد العنف وخصوصا العسكري، والحكومة التركية تتحمل عواقبه".
ويلفت عمر أن "تصاعد العمليات العسكرية يكلف تركيا مليارات الدولارات، في وقت تعاني فيه تركيا بالأساس من أزمة اقتصادية، حيث وصلت نسبة التضخم في البلاد إلى 45%، الأمر الذي يؤثر بدوره على موقع حزب العدالة والتنمية في السلطة، يتزامن ذلك مع أصوات تركية تنادي بحل القضية الكردية، لذلك فإن تصاعد هذه العمليات سيؤدي إلى قيام الحكومة التركية ببعض الخطوات في سبيل حل هذه المسألة".
والمستهدف بشكل أساسي ستكون مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بحسب عمر، التي لم تُطلق طلقة واحدة باتجاه الأراضي التركية، وذلك لأنها مناطق سهلية، ووجودهم واضح، بالإضافة إلى وجود مجتمع مدني، وبالتالي يمكن أن يكون هناك عملية برية جديدة، أو استهداف مكثف للبنى التحتية.
مبينا أن "هناك عداء واضحا من قبل الحكومات التركية المتعاقبة ضد الأكراد، ولعل قول رئيس الوزراء ورئيس تركيا الأسبق سلميان ديميريل "لو نصب الكرد خيمة في جنوب إفريقيا، لن نقبل بوجود تلك الخيمة" خير دليل على ذلك".
في المقابل، يستبعد الأميرال التركي القيام بعملية برية في الظروف الجوية السائدة، قائلا: "مثل هذه العملية يمكن أن تتم في بداية الربيع".
ويتابع الأميرال "حزب العمال الكردستاني، وحدات حماية الشعب، حزب الاتحاد الديمقراطي، هي أدوات في حقيبة أميركا للسياسة الخارجية، بهدف إعادة هندسة المنطقة، بطريقة أو بأخرى واشنطن تقف وراء هذه المسألة". لافتا "هذه الحكومة كانت شريكة أميركا في هندسة المنطقة. ساهمت في سلخ شمال العراق عن الحكومة المركزية، وإضعاف الحكومة السورية، لذلك ليس من المسموح لها اليوم أن تشتكي من وضع الفلتان الأمني على حدودها بدعم أميركي".
وينهي أرتورك حديثه قائلا "أميركا تسمح لتركيا بمحاربة الإرهاب، لكن لا تسمح لها بالقضاء على حزب العمال الكردستاني".