أثارت إجراءات إخلاء مقر قيادات العمليات على الطريق الرئيسي الرابط بين كركوك وأربيل شمال العراق، لمنع تسليمه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني استنادًا إلى اتفاق تشكيل الحكومة الحالية، أزمة في محافظة كركوك تطوّرت إلى اشتباكات دموية بين معتصمين رافضين لتسليم المقر ومتظاهرين من أنصار الحزب.
ونتج عن الاشتباكات التي اندلعت بعد توتر استمر لأيام، مقتل 4 بالرصاص وإصابة أزيد من 14 آخرين السبت.
وحاول رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني احتواء الأزمة، حيث أجرى اتصالين هاتفيين الأحد لبحث أوضاع كركوك، مع رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني.
وفي بيان نشره مكتب رئبس الحكومة العراقية، فإن الاتصالين شهدا "تأكيدًا مشتركًا على أهمية تفويت الفرصة عن كل محاولات الإساءة إلى الاستقرار والتعايش السلمي الذي تتمتع به مدينة كركوك، وما تم تثبيته بجهود أهلها الكرام بكل أطيافهم، وتضحيات قواتنا المسلحة بمختلف صنوفها وهي تهزم فلول الإرهاب".
ما أسباب الصراع؟
ولمعرفة أهم أسباب الأزمة، قال الكاتب والباحث السوري المهتم بقضايا التاريخ السياسي والاجتماعي لمنطقة الشرق الأوسط رستم محمود إن من الأسباب المباشرة لاحتجاج كركوك رفض قوة سياسية شعبية محسوبة على الحشد الشعبي إعادة تنظيمات الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى محافظة كركوك التنظيمات التي خرجت من المحافظة في آواخر عام 2017 وهو السبب الظاهر والمباشر.
وأضاف أن السبب الحقيقي هو "الاستقواء والاستضعاف"، مبينا أن "هناك استقواء من قبل القوة السياسية وحتى الاجتماعية العربية والتركمانية على نظيراتها الكردية في كركوك".
وأوضح محمود أن هذه القوة "تستقوي بوجود فصائل الحشد الشعبي والجيش العراقي والشرطة الاتحادية العراقية".
وقال: "تعتبر أن الأكراد بخروج جيش البشمركة من محافظة كركوك أصبحوا بدون أي سند أو قوة سياسية وبذلك تخلوا عن مبدأ الشراكة في إدارة شؤون المحافظة والشؤون الاقتصادية والإدارية السياسية وحتى الأمنية بعد عام 2017".
ومع اقتراب موعد الانتخابات المحلية لمجالس المحافظات أكد محمود أن القوة "تسعى لأن تصبح مصدر القلق في هذه المحافظات حتى لا تجري الانتخابات بسلاسة".
وأوضح أن الانتخابات "سُتظهر أن هناك توازنا كرديا معا القوميتين ضمن المحافظة ولإبقاء الأمور على ما هي عليه بحالة طوارئ تحت سيطرة محافظ غير منتخب من المجلس ومعين من قبل رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وتحت هيمنة فصائل الحشد الشعبي والزعامات المحلية التركمانية والعربية".
من جانبه، قال رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان الشمري في تصريح لمنصة "المشهد" إن الاحتجاجات الكردية في كركوك ترتبط بعدم تنفيذ الاتفاق الذي تم أولا ضمن تحالف إدارة الدولة الذي نص على عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني مزاولة نشاطه في كركوك وتسليم مقره السابق ما قبل عام 2017.
وقال إن هذا المقر "يُعرف بالمقر المتقدم للعمليات المشتركة من جانب"، مضيفا أنه "من جانب آخر فإن الأكراد التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني يدركون بأن هناك محاولة لتهميشهم على مستوى المكونات من قبل العرب والتركمان".
وأضاف الشمري أن "تريّث السوداني عن عملية تسليم المقر المتقدم بالتحديد للحزب الديمقراطي الكردستاني فضلا عن أن الحزب يريد أن يكون له مساحة وجود داخل كركوك والانتخابات المحلية أسهم في تحفيز هذا الحراك بالتحديد".
ما هي العواقب؟
التصرف العقلاني لرئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني ومقدار ما يملك من سلطة حقيقية هو ما أكده محمود حول ما يمكن أن يجري على الساحة السياسية في كركوك.
وأضاف: "قُتل 3 مواطنين أكراد السبت على يد أعضاء من القوة الأمنية. أطلقوا الرصاص مباشرة على المظاهرة السلمية".
ولفت إلى أن القيادات السياسية الكردية دعت إلى الكثير من العقلانية وضبط النفس لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلى مالانهاية.
وقال محمود: "حينما تكتشف القيادات الكردية بأن الدولة لا تقوم بواجبها كدولة وغير متساوية المسافة مع جميع المواطنين، أعتقد بأن الأمور ستذهب إلى المزيد من التصعيد والمزيد من المواجهة".
وشدّد على أن كركوك محاطة بحلقة من القرى والبلدات الكردية، وهناك تنظيمات سياسية ضمن هذه البلديات والأكراد يعتقدون أن عمليات التعريب التي كانت تجري زمن النظام العراقي السابق ما زالت مستمرة لغاية الآن.
وفي تأكيده على أن الإدارات المحلية تحترم إدارة غيرها، قال إنه "يجب أن يتصرف رئيس الوزراء والحكومة في العراق بقوة ووضوح كدولة، وأن تبقى الأمور هادئة إلى حين إجراء الانتخابات المحلية".
وأضاف محمود: "في حال استمر هذا النفس في التعامل مع المواطنين الأكراد، أعتقد أنه لن يكون هناك انتخابات محلية في كركوك في أواخر نوفمبر المقبل وسوف نشهد مزيدا من التصعيد الأمني والاجتماعي".
عواقب هذا التحرّك بحسب الشمري "تتجسد في استقرار هش إلى الآن داخل هذه المحافظة ضمن مكوناتها والصراع السياسي موجود فيها".
وأوضح أن هناك "عدم قدرة الحكومة الاتحادية برئاسة محمد السوداني على إدارة الصراع والنزاع الذي جرى هناك مؤخرا ويستمر".
وإن لم يتم الاتفاق من خلال طاولة حوار من مكونات كركوك بأكملها، قال الشمري: "سنشهد المزيد من التصعيد مع قرب الانتخابات المحلية هناك على مستوى مجلس محافظة كركوك لذلك يمكن أن يتفاقم الوضع أكثر".
وأضاف: "كركوك لم تزل جغرافيا هشة ولا زال وصفها بأنها قنبلة موقوتة وهو الوصف الأكثر ثباتا".
وإذا تفاقمت الأوضاع، وفق الشمري، فستمتد إلى كامل محافظات العراق وسيؤثر ذلك سياسيا على "انفراط عقد تحالف إدارة الدولة واهتزاز الحكومة الحالية بالإضافة إلى ظهور سيناريوهات عدة هناك".
ما هي آخر التطورات؟
يذكر أن الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد دعا الأحد جميع الأطراف للامتناع عن أي تهديد أو استخدام للقوة في كركوك.
وأصدر السوداني قرارا بفرض حظر التجول في المحافظة مطالبا جميع الجهات الفاعلة لأخذ دورها في درء الفتنة، في حين حذّر زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني من التصعيد.
وقال في بيان: "هذه التصرفات غير مقبولة أبدا، وستكون لها نتائج سيئة، وسفك دماء أبنائنا في كركوك سيكون له ثمن باهظ" بعد مقتل كردي.