ضربت أعاصير قوية دولا عدة حول العالم، ما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص واضطراب حركة الملاحة والطيران، وسط مخاوف من تزايد حدتها خلال الفترة المُقبلة.
موسم الأعاصير والعواصف بدأ هذا العام قبل موعده، الأمر الذي يثير الكثير من المخاوف حول تأثير التغيرات المناخية على الظواهر الجوية في الكوكب، فيما يرى خبراء مناخ أن هناك علاقة واضحة بين شدة الأعاصير التي يشهدها العالم حاليًا وبين التغيرات المناخية التي باتت أمرًا واقعًا.
ويتسبب تغير المناخ في ضرب الأعاصير لمواقع جديدة حول العالم، ووقوعها في أوقات مختلفة حتى في غير موسمها، إذّ لاحظ المختبر الوطني للعواصف الشديدة التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في أميركا، أن الأعاصير يمكنها أن تحدث في أي وقت من السنة بسبب تغير المناخ.
واعتبر المركز الأميركي أن تغير موسم الأعاصير من حيث الموقع والمدة سيضيف طبقة أخرى من التعقيد عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ والتعامل مع الظواهر الطبيعية العنيفة المحتملة.
"أمبيل" و"إرنستو" و"جايمي"
ففي اليابان، اجتاح إعصار "أمبيل" القوي منطقة طوكيو والمناطق المحيطة بها برياح بلغت سرعتها 216 كيلومترًا في الساعة، ما أدى إلى إلغاء مئات الرحلات الجوية وتعليق حركة القطارات الفائقة السرعة يوم الجمعة.
كما ضرب إعصار "إرنستو" اليابسة في منطقة برمودا البريطانية الصغيرة في المحيط الأطلسي في وقت مبكر من اليوم.
وقبلها بأيام ضرب الإعصار "جايمي" شمال تايوان، ما أسفر عن مقتل شخصين وحدوث فيضانات وغرق سفينة شحن، قبل أن يتجه غربًا نحو الصين عبر مضيق تايوان، وخلّف الإعصار نفسه أيضًا عشرات القتلى في الفلبين.
وتتوقع بعض الدراسات أن تغير المناخ قد يوفر الفرصة لتكوين عواصف رعدية أكثر شدة، ومع ذلك، هذا لا يعني بالضرورة حدوث المزيد من الأعاصير، خصوصًا في ضوء حقيقة أن نحو 20% فقط من العواصف الرعدية العملاقة تنتج الأعاصير، بحسب "ناشيونال جيوغرافيك".
درجات حرارة قياسية
وتعقيبًا على ذلك، قالت خبيرة المناخ اللبنانية، الدكتورة نجاة صليبة، إنّ العالم خلال عام 2024 شهد درجات حرارة قياسية، حيث وصل متوسط درجة الحرارة العالمية للأشهر الـ12 الماضية (فبراير 2023 – يناير 2024) إلى مستويات غير مسبوقة.
وأضافت في حديث لمنصة "المشهد" أنّ هذا الارتفاع الحاد، الذي تم توثيقه بزيادة قدرها 0.64 درجة مئوية فوق متوسط الفترة من 1991-2020، و1.52 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل العصر الصناعي (1850-1900)، يبرز التأثير الكبير لتغير المناخ على الظواهر الجوية المختلفة، بما في ذلك الأعاصير القوية والزوابع العنيفة، رغم اختلاف تكوينهما وتأثيرهما.
والأعاصير هي عواصف ضخمة وقوية تتشكل فوق المياه الدافئة للمحيطات، خصوصًا في المناطق الاستوائية، إذّ يعتمد تكوينها على شروط أساسية عدة بحسب خبيرة المناخ، منها:
- يجب أن تكون درجات حرارة سطح البحر دافئة بدرجة لا تقل عن 26.5 درجة مئوية (حوالي 80 درجة فهرنهايت) لتزويد العاصفة بالطاقة.
- عادة ما تتشكل الأعاصير على بعد لا يقل عن 5 درجات من خط الاستواء، حيث تكون قوة كوريوليس، التي تولد دوران العاصفة، قوية بما يكفي.
- كما أن الانخفاض في قص الرياح العمودي ضروري، حيث يسمح بقلة تأثير الرياح على هيكل العاصفة مما يساعدها على التكثف.
- بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم استقرار الغلاف الجوي والرطوبة أمران حاسمان في تحفيز صعود الهواء الدافئ، مما يؤدي إلى تكوين العواصف الرعدية داخل نظام العاصفة.
وتوّقعت صليبة، أن يكون موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي عام 2024 أعلى من المعتاد، نظرا لـ:
- درجات حرارة المحيط القريبة من الأرقام القياسية.
- تطور ظروف ظاهرة "لا نينيا".
- انخفاض الرياح التجارية في المحيط الأطلسي.
- قلة قص الرياح.
وأشارت إلى أن كل هذه العوامل تخلق بيئة ملائمة لتكوين وتكثيف الأعاصير. كما يلعب تذبذب "إل نينيو – التذبذب الجنوبي" (ENSO) دورًا مهمًا في التأثير على عدد العواصف الاستوائية والأعاصير في كل من المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ.
وأوضحت أن تأثير ENSO على الأعاصير يشبه التأرجح بين المحيطين الهادئ والأطلسي، حيث يميل "إل نينيو" إلى قمع نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي، بينما يعززه في شرق المحيط الهادئ. وعلى النقيض من ذلك، تميل "لا نينيا" إلى زيادة نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي وتقليله في المحيط الهادئ.
أما الزوابع، فهي عواصف ريحية عنيفة وصغيرة الحجم مقارنة بالأعاصير، بحسب الدكتورة نجاة صليبة، التي أضافت أن الزوابع تنشط في وجود قص الرياح العمودي القوي، حيث تؤدي التغيرات في سرعة واتجاه الرياح مع الارتفاع إلى توليد الدوران اللازم لتشكيل الزوابع.
ما علاقة التغيرات المناخية؟
ومثل الأعاصير، تحتاج الزوابع أيضًا إلى عدم استقرار في الغلاف الجوي، ولكن الديناميكيات والحجم يختلفان، وفقًا لخبيرة المناخ اللبنانية، لافتة إلى أنّ الزوابع غالبًا ما تتشكل في المناطق التي يلتقي فيها الهواء البارد والجاف مع الهواء الدافئ والرطب، مما يؤدي إلى تكوين عواصف رعدية شديدة قادرة على إنتاج الزوابع.
ورغم أن الأعاصير تضرب جميع أنحاء العالم، لكن الولايات المتحدة وحدها تتعرض لنحو ألف إعصار كل عام.
وأوضحت صليبة أنه في العام 2024، شهدت الولايات المتحدة بالفعل عددًا قياسيًا من الزوابع، ويعزى ذلك جزئيًا إلى أنماط المناخ المتغيرة ودرجات حرارة المحيطات الأكثر دفئًا، وقد ساهمت زيادة قوة التيار النفاث وقوة قص الرياح في زيادة تكرار وشدة الزوابع.
وكشفت أن ارتباطا واضحا يوجد بين تغير المناخ وهذه الظواهر الجوية، خصوصًا مع وجود أدلة تشير إلى زيادة شدتها، خصوصًا فيما يتعلق بهطول الأمطار وارتفاع مستوى المياه الناجم عن العواصف.
أما العلاقة بين تغير المناخ ونشاط الزوابع فهي أكثر تعقيدًا وأقل فهمًا.
وتستمر الأبحاث الحالية في الكشف عن كيفية تأثير الاحترار العالمي على تغيرات شدة الأعاصير، مع أخذ عوامل مثل تحسين تقنيات الكشف وأساليب الإبلاغ في الاعتبار، وفق صليبة.