أعلنت قوى الإطار التنسيقي السبت 24 يناير، ترشيح الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، رسميًا لتولّي منصب رئيس مجلس الوزراء العراقي، وسط تغيرات سياسية تشهدها المنطقة، في مقدمتها عودة ملف "داعش" إلى العراق، وموافقة بغداد على استقبال 7 آلاف عنصر من عناصر التنظيم ممن كانوا محتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية.
وجاء في بيان الإطار التنسيقي، أنه بعد نقاش معمّق ومستفيض، قررت قوى الإطار بالأغلبية، ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، مرشحًا عن الكتلة النيابية الأكثر عددًا، واستنادًا إلى خبرته السياسية ودوره في إدارة الدولة. ثم حدد البرلمان العراقي يوم الثلاثاء المقبل، موعدًا لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية العراقية.
وبحسب المادة 72 من الدستور العراقي، يُنتخب رئيس الجمهورية العراقية بعد 30 يومًا من تاريخ أول جلسة برلمانية بعد الانتخابات التشريعية، وبعد إعلان شخصية رئيس الجمهورية العراقية، يطالب الرئيس الجديد الكتلة الأكبر عددًا في البرلمان العراقي، بإعلان منصب رئيس مجلس الوزراء خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا.

هل سيحارب المالكي الفصائل المسلحة؟
أثار إعلان ترشيح المالكي جدلًا سياسيًا وشعبيًا، خصوصًا أنّ قوًى شيعية داخل الإطار التنسيقي، في مقدمتها تيار الحكمة وكتلة صادقون كانت معترضة على عودته، حيث اعتبر البعض أنّ المالكي سيعيد إنتاج الأزمات، خصوصًا أنّ فترة إدارته للحكومة (2006 -2014)، تزامنت مع صعود تنظيم داعش في العراق، بينما يرى البعض الآخر أنه الشخصية الأنسب لإدارة المرحلة الحالية بظروفها المعقّدة.
ورغم أنّ المرجعية الدينية في النجف حافظت على موقفها المحايد من ترشيح المالكي، إلا أنّ بعض القيادات السنية في حزب تقدم برئاسة محمد الحلبوسي، أعربت بشكل مبطّن عن رفضها ترشيحه، وعن ذلك يقول المحل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد":
- الكتل الشيعية عجزت عن تقديم شخصية من الممكن أن تنال قبول الولايات المتحدة الأميركية وإيران معًا.
- كان تحالف رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني مع نوري المالكي، وإعلانه انسحابه من السباق الانتخابي، نقطة التحوّل التي أجبرت باقي قوى الإطار التنسيقي على اختيار المالكي.
تيار الحكمة وكتلة صادقون
وعن موقف تيار الحكمة وكتلة صادقون، يجيب القيسي: "أدرك زعيم كتلة صادقون (الجناح السياسي لعصائب أهل الحق) قيس الخزعلي، أنّ المالكي يمتلك قوة كبيرة قد تؤدي في حال معارضته إلى حل الفصائل المسلحة والحشد الشعبي بشكل تدريجيّ وتوافق أميركي، بالتالي اختاروا المالكي لتخليصهم من الضغوط الأميركية المطالبة بنزع السلاح وحل الفصائل، وإبعادهم عن مراكز القرار داخل الحكومة العراقية المقبلة".
ويؤكد القيسي، أنّ الطريق أمام المالكي أصبح ممهدًا للوصول إلى كرسيّ الحكومة، خصوصًا إذا استجاب لشروط الولايات المتحدة الأميركية، فسيكون مدعومًا من قِبل واشنطن، ولن تشهد جلسة البرلمان المقبلة استخدامًا للثلث المعطّل، أي لن تكون هنالك أيّ تحالفات سنية مع باقي القوى الشيعية المعارضة للمالكي لتعطيل وصوله، لأنّ الكتلة السنية لن تشترك مع أيّ تحالف شيعي، لإدراكها أنّ رفض المالكي سيؤدي لتفكيك أكبر حزب سنّي وهو تقدّم.
"كما يوجد 5 أو 6 وزارات يديرها المكون السني، بالتالي تدرك الكتلة السنية أنّ الخصومة لا جدوى منها، ولن يتدخلوا في اختيار رئيس الوزراء، لكنهم سيحاولون الحصول على المزيد من المكاسب فقط، هذا ما يفعله زعيم حزب تقدّم محمد الحلبوسي عبر الضغط على الكتل الشيعية، لذلك لن نشهد أيّ رفض سنّي خلال جلسة البرلمان المقبلة". بحسب القيسي.

ما هي مهمة المالكي؟
وفي سياق متصل، يوضح الباحث الأكاديمي عمر الناصر لمنصة "المشهد"، أنّ تأثير المالكي على الفصائل المسلحة قويّ جدًا، جميعها تُعيره احترامًا كبيرًا وتستجيب لرغبته، بالتالي جاء اختياره لتحقيق تقدّم في ملف الفصائل المسلحة خلال المرحلة المقبلة، "هذه هي مهمة المالكي المقبلة في ظل اقتراب حرب أميركية_ إيرانية، لكن لا يمكننا الفصل بأنه أصبح رئيسًا للحكومة، لأنّ هنالك اعتراضات من قبل بعض الكتل الشيعية الأخرى، إضافة لرأي المرجعية الدينية الذي قد يغيّر مجرى التحالفات في اللحظات الأخيرة، ثم نشهد تسمية مرشح تسوية كحل بديل".
ويلتقي رأي الناصر مع رأي الباحث السياسي وائل الركابي، الذي أوضح لمنصة "المشهد"، أنّ المالكي لديه علاقة قوية بالفصائل المسلحة، تم اختياره لأنه سيعمل على حصر السلاح بيد الدولة، استجابة لمطالبات المرجعية الدينية في العراق، كما أنّ خبرته السياسية وعلاقته بالجانب الإيراني احتُسبت له خلال هذه المرحلة، لأنه نجح سابقًا بجمع واشنطن وطهران في مؤتمر 5 زائد واحد في بغداد.
ويؤكد الركابي، أنّ واشنطن لم تعترض على ترشيح المالكي، بل بالعكس تمامًا، فقد شهدنا لقاءه بعدد من السفراء قبل إعلان ترشيح اسمه من قبل قوى الإطار التنسيقي، حيث التقى بسفراء بريطانيا والسعودية وإيطاليا، والقائم بإعمال السفارة الأميركية، كما كان له اجتماعات مع المبعوث الأميركي مارك سافايا.
موافقة كردستان رغم الخلافات
ورغم أنّ العلاقات بين القوى الكردية ونوري المالكي لم تكن جيدة خلال فترة توليه للحكومة العراقية، إلا أنّ الزعيم الكردي مسعود بارزاني رحّب بترشيح الإطار التنسيقي لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، وجاء في بيان الرئيس مسعود بارزاني: "نرحّب بقرار الإطار التنسيقي ونهنّئ المالكي بترشيحه للمنصب".
ويقول المحلل السياسي محمد زنكنة لمنصة "المشهد": "هنالك الكثير من الخلافات التي جمعت بين نوري المالكي وإقليم كردستان، التي كانت سببًا باقتطاع المالكي لحصة الإقليم من الميزانية العام للدولة، لكنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني رحّب بترشيح المالكي، لأنه يرى أنّ الحكومة يجب أن تُشكل بطريقة أو بأخرى، وأراد الرئيس بارزاني تغليب المصلحة العامة العراقية وإنقاذ البلاد مما تعانيه، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي تحيط بالمنطقة وبالعراق على وجه الخصوص".
هل وافقت واشنطن على ترشيح المالكي؟
وما أثار استغراب بعض القوى السياسية العراقية، أنّ ترشيح المالكي يتعارض مع التهديدات المباشرة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الفائت، ضد الفصائل العراقية المسلحة، وتهديده بفرض عقوبات اقتصادية في حال تسلّمت الفصائل أيّ مناصب داخل الحكومة العراقية المقبلة، بينما طالب المبعوث الأميركي للعراق مارك سافايا، بنزع شامل لسلاح الفصائل غير قابل للتراجع.
وعن ذلك، يقول المختص في الشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط وجدان عبد الرحمن لمنصة "المشهد"، إنّ ترشيح المالكي جاء بموافقة أميركية، بعد أن أجرى مفاوضات وتفاهمات مع الولايات المتحدة الأميركية، خصوصًا أنّ واشنطن لا ترغب بشخصية مواليه لها بالكامل أو مواليه لإيران بالكامل، بل تبحث عن شخصية توافقية يمكنها لعب دور الوساطة بينها وبين طهران خلال المرحلة المقبلة.
ويرى عبد الحميد، أنّ نوري المالكي يواجه ورطة حقيقية، إذ يقف بين سندان الضغط الإيراني، وبين مطرقة الولايات المتحدة الأميركية التي لا تزال تمتلك اليد الطولى في المشهد العراقي، مع بقاء القرار النهائي بيدها، فلا الإطار التنسيقي ولا نوري المالكي قادران على معارضة السياسات الأميركية بشكل مباشر، بناءً على ذلك يُفترض بالمالكي أن ينتهج سياسة الحياد تجاه إيران في المرحلة المقبلة، غير أنّ طهران لن تقبل بشخصية محايدة، خصوصًا أنها أنفقت أموالًا طائلة، وأسست ميليشيات مسلحة داعمة له. كما أنّ ولايات المالكي السابقة جاءت بدعم ومباركة إيرانية واضحة.
لذلك، من غير المرجح أن تسمح إيران لأذرعها في العراق، بترك المالكي ينحاز بعيدًا عنها، وفي المقابل لن تسمح الولايات المتحدة لنوري المالكي بدعم الموقف الإيراني، وقد تدفعه أو تضغط عليه باتجاه تقليص نفوذ الميليشيات أو حتى نزع سلاحها، ما قد يُدخل الإطار التنسيقي نفسه في صراع داخلي. بحسب عبد الرحمن.