أصبحت روسيا تسيطر الآن فعليا على مدينة باخموت شرقي أوكرانيا، حيث قُتل الآلاف من الجنود الروس والأوكرانيين في أطول معركة وأكثرها دموية خلال الأشهر الماضية، لكن من غير الواضح ما إذا كانت قوات موسكو ستكون قادرة على الحفاظ والسيطرة على المدينة المنهارة وسط هجوم مضاد بدأ بالفعل، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة واشنطن بوست.
ووفق الصحيفة الأميركية، فإن روسيا تسيطر بالفعل على المدينة التي كانت في يوم من الأيام موطنا لنحو 70 ألف شخص، على الرغم من إصرار المتحدث باسم القيادة العسكرية الشرقية لأوكرانيا على أن قوات كييف لا تزال تحتل مواقع صغيرة على الحافة الجنوبية الغربية من باخموت وتقاتل القوات الروسية على مشارفها.
لم تنته بعد
يرى محللون عسكريون أنه على أي حال، فإن الاحتفال بالنصر الروسي قد يكون قصيرا، حيث يحتمل أن تلقى باخموت مصير إيزيوم وليمان وخرسون ومدن أخرى احتلتها روسيا ونجحت أوكرانيا في استعادتها، حيث أصبحت القوات الروسية المقاتلة في وضع ضعيف بعد أشهر من الخسائر الكبيرة وخلافات داخلية.
"قصة باخموت لم تنته بعد"، حسبما يقول الباحث البارز مؤسسة "راند للأبحاث" دارا ماسيكوت، والذي يضيف: "هناك الكثير من القوات الأوكرانية التي لا تزال في الضواحي، وموقع القوات في أوكرانيا ليست مستقرة في الوقت الحالي".
وأشار ماسيكوت إلى أن الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة ستكونان حاسمتين فيما يتعلق بسيطرة موسكو على باخموت، حيث تضع روسيا قوات للدفاع عن المدينة ضد هجوم مضاد أوكراني متوقع على نطاق واسع، مؤكدا أن "الاحتفاظ بالمدينة، التي لها أهمية إستراتيجية محدودة يمثل رمزا كبيرا لكلا الجانبين، وسيتطلب من موسكو سحب التعزيزات من المواقع الأخرى، مما قد يؤدي إلى إضعاف بعض مناطق السيطرة".
ويقول الباحث في مؤسسة "راند": "لا يعرف الروس بالضبط أين سيبدأ الهجوم المضاد، وبناء على مكان وجود غالبية قواتهم، يبدو أنهم قلقون بشكل خاص بشأن زابوريجيا والجسر البري الذي يربط شبه جزيرة القرم".
وأضاف: "لذلك سيكون عمل موازنة بين نقل قوات إضافية إلى مكانها حول باخموت والتأكد من عدم تأثر قدرتها على نشر تعزيزات بمناطق أخرى من الجبهة إذا بدأ الهجوم المضاد في مكان مختلف لا تزال جيدة".
انسحاب فاغنر
من المقرر أن تنسحب قوات "فاغنر" العسكرية الروسية التي قادت الهجوم على باخموت لأشهر، إذ أعلن مؤسسها يفغيني بريغوجين ، أن جنوده سيبدءون الانسحاب الخميس 25 مايو.
وقال بريغوجين: "اعتبارا من الأول من يونيو، لن يكون هناك مقاتل واحد من فاغنر في الصفوف الأمامية حتى نخضع لإعادة التنظيم وإعادة التجهيز والتدريب الإضافي".
وكانت "فاغنر" قوة هجوم رئيسية في باخموت منذ اشتداد القتال في الخريف، ونشرت قنوات تلغرام المقربة من المجموعة وصورا تظهر منح ميداليات خاصة لأولئك الذين شاركوا في مفرمة اللحم ببخموت".
وقوبلت مزاعم بريغوجين بالانسحاب بالتشكيك من قبل الخبراء العسكريين. وهذه هي المرة الثالثة التي تعهد فيها بسحب قواته من باخموت، حيث هدد سابقا بالتخلي عن المدينة إذا لم يقدم الجيش الروسي لمقاتليه مزيدا من الذخيرة، لكنه لم ينفذ ذلك التعديد بعد.
ويقول المحلل العسكري الروسي إيان ماتفيف: "لقد تغير الوضع حيث إن الهدف الذي أعلنه بريغوجين بنفسه، هو الاستيلاء على المدينة، وقد اكتمل، لذا لا يمكن لأحد أن يوبخه على الانسحاب، وهناك فرصة لمغادرتهم".
لكنه عاد ليضيف: "التوقيت مشكوك فيه. على الأرجح، سيكون من الصعب على الجيش الروسي إيجاد بديل في مثل هذا الوقت القصير، ولن يترك فاغنر المواقع فارغة".
بدوره يقول ماسيكوت إن الوحدات الروسية الأقرب إلى باخموت ربما لا تكون في وضع يمكنها من ملء فراغ فاغنر في الخطوط الأمامية، "إنهم مزيج من الرجال الذين تم حشدهم مؤخرا وتم تجنيدهم تحت ما يسمى بجيوش جمهورية لوهانسك ودونيتسك الشعبية، وهي جزء من القوات الانفصالية التي يدعمها الكرملين منذ عام 2014(..) هذه الجماعات سيئة التجهيز والتدريب، وعانوا في بعض الأحيان للحفاظ على مواقع دفاعية".
ويتمثل الخيار الآخر لموسكو في قواتها المحمولة جوا، والتي كان أداؤها أفضل في الحرب، لكن إلزامها بالدفاع عن باخموت قد يؤدي إلى خسارة القوات ذات الخبرة التي يمكن أن تكون أكثر فائدة في أماكن أخرى على الجبهة، وفق "واشنطن بوست".
صراع داخلي
الإعلان الأولي بأن روسيا قد سيطرت على باخموت جاء من بريغوجين، الذي استبق إعلان وزارة الدفاع الروسية، وهو أحدث مثالا على المعركة العلنية المستمرة لرئيس فاغنر مع كبار الضباط العسكريين في البلاد.
وقال بريغوجين السبت في مقطع فيديو مدته 9 دقائق بدا أنه تم تصويره في الأجزاء الشرقية من باخموت: "بدأت العملية المسماة مفرمة اللحم باخموت في أكتوبر.. شكراً لفلاديمير بوتين، الذي أعطانا هذه الفرصة وشرف حماية وطننا".
واتهم بريغوجين مرارا وتكرارا وزير الدفاع سيرجي شويغو ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، بعدم الكفاءة والخيانة، زاعما أنهما تعمدا حرمان قوات فاغنر من الذخيرة و "سرقة" انتصاراتهما في ساحة المعركة لادعاء أنها انتصاراتهما.
وأصدرت وزارة الدفاع دحضا علنيا نادرا لمزاعم رئيس فاغنر حول نقص الذخيرة لكنها تجاهلت هجماته الشخصية المريرة والمليئة بالألفاظ النابية.
إلى جانب البيان الرسمي لوزارة الدفاع حول السيطرة على باخموت، جاءت رسالة تهنئة من بوتين، الذي امتنع في الغالب عن التعليق على مسار الحرب في الأشهر الأخيرة.
ويتوقع الخبراء أن أول اعتراف رسمي من بوتين بمساهمات فاغنر إلى جانب الجيش النظامي سيضيف مزيد من الوقود إلى التنافس بين القوتين.
ويقول ماسيكوت: "أعتقد أن تصريح بوتين هو اعتراف بأن كلا الفريقين لعب دورا في السيطرة على باخموت"، مضيفا: "ومع ذلك، هناك توتر بين بريغوجين ووزارة الدفاع(..) كلا الطرفين يشعر بالاستياء لأنه يتعين عليهما مشاركة الانتصار في باخموت".