تُظهر النتائج الأولية للانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية، أنّ أحزاب تكتّل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم والتحالف الشعبي التقدمي، في طريقهم إلى الفشل في الحصول على مقاعد في البرلمان الموريتاني، وهي أحزاب عريقة تعدّ من أبرز الأحزاب، تحمل معها تاريخا كبيرا من "النضال" السياسي ضد أنظمة الحكم المتعاقبة في موريتانيا.
وإن كان تأثير هذه الأحزاب بدأ يتراجع خلال العقد الماضي، إلا أنّ أكبر المتشائمين لم يكن يتوقع أن تتراجع هذه الأحزاب الثلاثة إلى هذا الحدّ، وتأتي هذه الانتخابات لتعلن دخولها في مرحلة "الموت السريري".
لكنّ فشل هذه الأحزاب التاريخية في الانتخابات، يقابله صعود مفاجئ للجبهة الجمهورية للوحدة الديمقراطية، حيث تُعتبر مزيجا بين تيارات مختلفة منشقة عن تلك الأحزاب المعارضة، فاختارت التحالف لتحقّق مكاسب كبيرة في الانتخابات الأخيرة.
الطريق إلى الانهيار
بعد فرز أكثر من 90% من مكاتب التصويت، باتت أحزاب المعارضة العريقة خارج السباق التنافسي على أحد المقاعد البرلمانية التي لم تُحسم لصاحبها، في وقت بدأت هذه الأحزاب تحتجّ على نتائج الانتخابات، وتصفها بـ"المزوّرة".
وتحمل أحزاب التكتل واتحاد قوى التقدم، والتحالف الشعبي التقدمي، تاريخا من النضال السياسي، كانت تُعدّ وجهةً للشباب والنخبة الموريتانية، فقد تخرّج منها أبرز القادة السياسيين الذين تشرّبوا من النضال السياسي.
مؤشرات تراجع تأثير هذه الأحزاب، بدأ مع الانتخابات العامة عام 2018، حينما لم تحصد في تلك الانتخابات أقلّ من 10 مقاعد في البرلمان، ما أدى ببعض الأصوات الداخلية إلى المطالبة بإعادة السياسة الداخلية للحزب.
في هذا السياق، يرى الكاتب السياسي عبد الرحمن ولد طالب، أنّ هذه الأحزاب دفعت ثمنا لمواقفها، والقرارات التي تتخذها لم تكن محلّ إجماع بين قياداتها، التي احتجّ بعضها ووصل إلى حدّ الاستقالة أو تعليق عضويته.
ويضيف ولد طالب لمنصة "المشهد" أنّ حزب اتحاد قوى التقدم الذي يُعتبر من أكثر الأحزاب تنظيمًا، تأثر بالخلافات بين رموزه، فقد بدأ يطفو على السطح إبّان الانتخابات عام 2018.
ويوضح أنّ تلك الخلافات مثلا، تسببت بانسحاب أبرز رموز وقيادات الحزب المؤثرة، كالراحل مصطفى ولد بدر الدين، وكادياتا مالك جالو، وهما قياديان يملكان سعيا كبيرا داخل الحزب، ما أثّر عليه وانعكس سلبا عليه في هذه الانتخابات.
ويؤكد أنّ الأسباب نفسها عصفت بحزبي التكتل والتحالف الشعبي التقدمي، حيث تمت "شخصنة" هذه الخلافات، لتكون فاتورتها "انهيارا ثم موتا سريريًا لهذه الأحزاب".
سياسة الاستنزاف
أما الخبير في الشؤون السياسية عبد الله ولد مين، فيقول: "إنّ هذه الأحزاب كانت تملك قاعدة شعبية كبيرة خصوصا في أوساط الشباب، ولها القدرة على التعبئة وتنظيم التظاهرات الاحتجاجية، إلا أنّ هذه الشعبية بعضها تسرّب إليه "اليأس"، وتفرّد قيادات هذه الأحزاب بالقرارات، من دون أن تتشاور معها، أدى إلى انهيارها".
ويعتبر ولد مين لمنصة "المشهد" أنّ من بين العوامل التي أثرت عليها أنّ هذه الأحزاب رفضت التجديد ولم تُشرك المنتسبين في المكتب التنفيذي، وإتاحة المجال أمامهم للبروز كقادة في الصفوف الأمامية، مؤكدا أنّ القيادات التقليدية احتكرت "النجومية النضالية" من دون سابقها.
لكنّ الصحفي عبد الفتاح ولد أبي يرى أنّ هذه الأحزاب استنزفها نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز من الداخل، إما بتضييق الخناق عليها، أو الدفع بقياداتها المؤثّرة، بالانشقاق تحت إغراءات مناصب حكومية، أو الترخيص لهم بتأسيس أحزاب سياسية.
ويقول ولد أبي لمنصة "المشهد" إنّ "استقالة كل قيادي، يخسر معها الحزب عشرات الشباب والقيادات، ما استنزفه بشريًا من دون أن تحرك هذه الأحزاب ساكنًا، حتى توقف هذا الاستنزاف".
وتُجمع آراء المحللين والمتابعين للشأن السياسي الموريتاني أنّ هذه الأحزاب كان بإمكانها أن تستفيد من التهدئة السياسية التي اتّبعها نظام الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي اختطّ نهجا مغايرا لسلفه ولد عبد العزيز، الذي كان في حرب دائمة مع المعارضة التقليدية.
وبدلا من أن تعيد هذه الأحزاب تنظيم أوراقها وإعادة ترتيب أولوياتها، نشبت خلافات داخلية قوية بين أجنحتها، لتخرج للعلن مع بدء تبادل الاتهامات في ما بينهم، أفضى إلى استقالة قيادات مؤثرة تستند إلى شعبية كبيرة في أوساط الشباب.
الصعود من تحت الرماد
تُظهر نتائج هذه الانتخابات مدى تأثير بعض القيادات المنسحبة من هذه الأحزاب، حيث شكلت تحالفا في ما بينها في هذه الانتخابات، تحت مسمى "الجبهة الجمهورية للوحدة والديمقراطية"، ليختاروا الحصان الأسود شعارا لهم والذي وفقوا فيه.
وتقول هذه الجبهة، إنها "حددت هدفا يتمثل في الجمع بين جميع الموريتانيين في تنوّعهم الثري، من دون تمييز في الأصل أو الجنس أو الدين".
وحقق هذا التحالف نتائج لافتة في الانتخابات البرلمانية والجهوية والبلدية، فقد احتلّ المرتبة الرابعة من حيث عدد الأصوات التي حصل عليها في جميع اللوائح الانتخابية.
ويقول الصحفي عبد الفتاح إنّ "هذه الانتخابات ستغيّر خريطة المشهد السياسي الموريتاني، وذلك بصعود هذه الجبهة ودخولها كمنافس قويّ على الساحة السياسية".
ويضيف لمنصة "المشهد" أنّ معظم قيادات هذا التحالف استقالت من أحزاب التكتل والتحالف وقوى التقدم، أي أنها تشترك في النضال السياسي، وأنّ خطابها مقنع، مؤكدا أنهم يملكون شعبية كبيرة خصوصا في أوساط الشباب.
ويشير الكاتب السياسي ولد آبي إلى أنّ هذه الجبهة يجب أن "تبني على نجاحها الذي حققته في هذه الانتخابات، وألّا تقع في أخطاء أحزاب المعارضة، التي تسببت في تراجعها في هذه الانتخابات".
ويقول إنّ هذه الانتخابات أفرزت معارضة جديدة، تتمثل في هذه الجبهة التي صعدت بفضل خطابها السياسي، الذي يلامس "وجدان" بعض الشباب الحالم إلى التغيير.
فيما يؤكد الخبير في الشؤون السياسية عبد الرحمن ولد الطالب، أنّ هذا التحالف استفاد من تراجع تأثير أحزاب المعارضة التقليدية، وتمكن من استقطاب معظم هذه الأنصار، مشددا على أنّ الرهان الأكبر على هذا التحالف، يتمثل في المحافظة على هذا النجاح والبناء عليه مستقبلًا.