قفز التضخّم في المغرب إلى 8.9 %، ومعه أسعار جميع المواد الاستهلاكية والغذائية دون أن تبارح الأجور في نفس الآن مكانها، الأمر الذي جعل من توفير قفة غذائية متكاملة تحديا عسيرا بالنسبة للأسر المغربية خصوصا المحدودة الدخل تزامنا مع شهر رمضان المبارك.
أسعار صاروخية
ولم يتم استثناء أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، من قائمة المواد الغذائية التي شهدَت ارتفاعا غير مسبوق في المغرب متأثرة بتداعيات الجفاف وارتفاع أثمان الأعلاف المركبة، في ظل عدم توفر العلف الطبيعي الذي تتيحه الأمطار.
وعلى الرغم من المجهودات التي بذلتها الحكومة في هذا الإطار، إلا أنه لم تتوقف أسعار اللحوم الحمراء عن الارتفاع في الأشهر الأخيرة، إذ تراوحت ما بين 90 و100 درهم (9 و12 دولارات) للكيلوغرام الواحد في الأيام الأخيرة، بعدما كانت قبل شهر في حدود 65 و70 دهما (6 و7 دولارات)، حتى وقت منتصف العام المنصرم.
الجفاف والغلاء وجهان لنتيجة واحدة
وفي حديثه لمنصة "المشهد" عزا حمزة حسنة الفلاح بزاوية سيدي بنحمدون ضواحي مدينة برشيد الفلاحية، هذا الارتفاع المسجل في أثمنة اللحوم الحمراء، لتداعيات الجفاف على تربية المواشي، مشيرا إلى أن عددا من المزارعين ممن يتوفرون على الماشية بدأوا جديا في التخلي عن الأمر وهو من بينهم بسبب التكلفة العالية لتربيتهم مُقابل المردود الضعيف جدا.
وأكد حمزة الذي ينتمي لمنطقة برشيد الزراعية، أن تأثير انعدام الأمطار شمل أيضا تربية المواشي لأنها متوقفة على الزراعة بالأساس التي تهم الشعير والحبوب وغيره، أي العلف، "لكن تراجع الأمر ووجد الفلاح نفسه مضطرا إلى التخلي عن ماشيته فمن كان يتوفر على 300 رأس غنم قلصها إلى 100 رأس لسد حاجته بقدر الإمكان في غياب المردود".
ولفت المتحدّث إلى أن الفلاح في السنوات الأخيرة لم يعد يوفر على مخزون، بل أصبح يقتني كل شيء من الأسواق بما فيها الحبوب والزرع، مضيفا: "أصبحنا نقتني كل شيء من الخارج، والأرض لم تعد تنتج وكل هذه الأثمنة ارتفع ثمنها، بما فيها الأسمدة والفوسفات التي باتت أسعارها تفوق استطاعتنا.. حسابيا نحن خاسرون والمواطن سيتأثر بهذا الغلاء أكيد".
وإلى جانب، تداعيات الجفاف على محاصيل المزارعين والفلاحة بشكل عام فضلا عن أعلاف المواشي التي تنتجها الأرض، يُكابد مزارعو المملكة تحديا آخر هو ارتفاع أسعار الأعلاف المركبة المستوردة والتي انتقلت من عشرين دولارا للقنطار إلى الضعف بمعدل 40 دولارا في السوق الدولية، الوضع الذي أرخى بظلاله على أسعار استهلاك هذه اللحوم في الأسواق المغربية، خاصة وأن هذا النوع من الأعلاف ينحصر في الذرة والشعير والصويا وعباد الشمس، هي بالأصل مستوردة ويستقدمها المغرب من شركائه في الاتحاد الأوروبي.
إقرار حكومي
وعلى غرار المزارعين، أقر وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد صديقي، بارتفاع أسعار اللحوم في الأسواق المغربية، مرجعا هذا الوضع إلى عوامل عدة، تتمثل في الجفاف الذي عرفته البلاد في السنوات الأخيرة، ما دفع بعض "المربين" إلى بيع العجول الذكور والإناث قصد الذبح، مع انخفاض التلقيح الاصطناعي خلال فترة جائحة كوفيد 19، ما أدى إلى نقص في أعداد العجول المنتجة محليا.
وأوضح المسؤول الحكومي المغربي، أن غلاء أثمان أعلاف الماشية جراء ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الأولية، إذ زادت الأعلاف المنتجة محليا والمستوردة بـ 40 في المائة و27 في المائة على التوالي في أكتوبر 2022 مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية، ما أثر على إنتاجية القطيع، وبالتالي على متوسط الوزن، لافتا إلى ارتفاع أسعار العجول المعدة للتسمين وخرفان الذبح بنسب 7 في المائة و10 في المائة على التوالي، ما أدى إلى الزيادة في أثمان اللحوم الحمراء بنسبة 17 في المائة.
ولمواجهة هذه الوضعية كشف وزير الفلاحة أن الوزارة عملت على دعم وتقنين التلقيح الاصطناعي، من خلال إعداد قرار وزاري يحدد المواصفات التقنية لإنتاج واستيراد وحيازة وتسويق بذور التلقيح المجمدة، وكذا الشروط العملية للتلقيح الاصطناعي لكل أصناف الحيوانات، فضلا عن إصدار مرسوم بشأن تعليق رسوم الاستيراد المطبقة على الأبقار المخصصة للذبح في حدود 20000 رأس بوزن أكثر من 550 كلغ، أي ما يعادل 60.000 طن من اللحوم الحمراء، لإمداد السوق الوطني واستقرار الأسعار.
المضاربات تفاقم الوضع
وإلى جانب الظروف المناخية والسياق العالمي، أرجع خبراء ومراقبون آخرون ممّن تواصلت معهم منصة "المشهد" هذا الارتفاع الصاروخي في أثمنة وأسعار اللحوم في الحواضر والقرى إلى سوق المضاربات، وعمد الوسطاء التجاريون على تخزين المواشي وتسمينها، إلى حين اقتراب الشهر الفضيل، "بهدف إحداث خلل على مستوى الطلب والعرض وترتفع بذلك الأسعار وهامش الربح" على حد تعبير بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك.
وأشار الخراطي، في حديثه لمنصة "المشهد"، إلى أن إقبال المغاربة على اللحوم سيزيد خلال شهر رمضان في ظل ارتفاع الأسعار، ما سيضرب في عمق القدرة الشرائية للمستهلك المغربي الذي يسعنا اعتباره المتضرر الأكبر.
ويتوقع الخراطي، أن تلعب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في هذا الإطار دورا إيجابيا لتخفيف وطأة الغلاء على المواطن خاصة بعدما أعلنت عزمها استيراد رؤوس الأبقار قبل حلول الشهر الفضيل كدفعة أولية، في إطار خطة لاستيراد 200 ألف رأس من الأبقار مع حلول الصيف المقبل.
استيراد الأبقار
ومن الجدير بالذكر، أن المغرب كان قد قرّر في السنوات الأخيرة، توفير الشعير لمربي المواشي بأسعار مدعمة في سياق الجفاف الذي شهده البلد غير أن هذا الأمر لم يكن له تأثير مباشر بحسب المزارعين على أسعار الأعلاف، ما دفع الحكومة إلى اعتماد مجموعة من الإجراءات لخفض أسعار اللحوم الحمراء، من قبيل إلغاء الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لتشجيع توريد الأبقار الموجهة للذبح من أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ويستقبل المركز الحدودي لميناء طنجة المتوسط، منذ بداية شهر يناير الماضي، العجول الموجهة للذبح من "سلالات أبقار اللحم"، حيث يُرتقب أن يستورد المغرب ما بين 30 و35 ألف رأس من أجل توفير اللحوم وخفض الأسعار خلال شهر رمضان، الأمر الذي من شأنه الإسهام في خفض أسعار اللحوم الحمراء بشكل كبير بحسب مصطفى بلفقيه، رئيس الجمعية الوطنية لتجار اللحوم الحمراء بالتقسيط.
بلفقيه وفي تصريحه لمنصة "المشهد"، ثمّن الاجراءات التي بادرت إليها الحكومة المغربية في إطار خفض أسعار اللحوم الحمراء بما فيها استيراد العجول من نوع "الرؤوس اللحمية" المعدة للذبح منذ أسبوعين.
وبحسب المسؤول المهني، فقد بدأت الأسعار في الانخفاض تدريجيا بعدد من الأسواق المغربية في الحواضر والبوادي، بما فيها الأسواق الأسبوعية في المملكة والبالغ عددها 800 سوق، مشيرا إلى أنها بدأت تتراوح ما بين 75 و85 درهما إلى حدود هذا اليوم.