قد تبدو تعديلات قانون الجنسية الجديد في ألمانيا مجرد خبر عابر، نقرأه في الصحف، أو نشاهده في التلفاز، ولكن بالنسبة لملايين المهاجرين العرب وغير العرب حول العالم، فالأمر أبعد من ذلك بكثير.
بين هؤلاء يأتي عثمان ابن الأنبار الذي عاش حياة مأساوية في العراق، تبدأ مع انطلاق الحرب الأميركية، وتمر بظروف اعتقاله ومقتل شقيقه، وتهجيره بسبب اسمه ولا تنتهي بالعيش تحت حكم داعش في الموصل وتكريت.
قصة عثمان أخذت منحى آخر بالانتقال إلى ألمانيا منذ عام 2015، بعد أن استقر في البلد الأوروبي، وعمل في مجال الIT في دائرة حكومية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن طريق الراوي إلى ألمانيا لم يكن مفروشا بالورود، فبعد سنوات من الرعب هاجر إلى تركيا، ثم ركب قارب موت إلى اليونان ثم وصل أخيرا إلى ألمانيا مرورا بطرق محفوفة بالمخاطر.
وكنتيجة طبيعية للتواجد في البلاد فترة الخمس سنوات تقدم الشاب العراقي للحصول على الجنسية الألمانية في عام 2020, لكن بسبب "البيروقراطية وكثرة الأوراق" لم يحصل عليها حتى الآن.
عثمان هو أحد أولئك الذين يرون في تعديلات قانون الجنسية الجديد أكثر من مجرد تشريع توافق عليه الحكومة الألمانية أو يقره البرلمان.
عن التعديلات الجديدة يتحدث ابن الأنبار قائلا: "القانون جيد لكن تطبيقه لن يكون سهلاً".
قانون الجنسية الألماني بعيون لاجئ عراقي
ما عاشه الشاب العراقي في وطنه جعله لا يفكر أبدا في العودة، بل بنى حياته من جديد في ألمانيا ويطمح لمساعدة بلده من الوطن الذي احتضنه.
"قرار ترك الوطن ليس سهلا أبدا، لكن ما فائدة وطن لا يمكننا النوم فيه، أو يتم إنهاء حياتنا بسبب اسم أو شكل أو فكر"، يقول عثمان.
وقبل أيام، أعطت الحكومة الفيدرالية الألمانية الضوء الأخضر لقانون يهدف إلى منح الجنسية للأجانب بموجب قواعد وإجراءات ميسرة.
وتأتي مراجعة قانون منح الجنسية ضمن سلسلة من الإصلاحات التقدمية التي تعهدت حكومة أولاف شولتز الليبرالية بتنفيذها.
ويرى عثمان أن القانون إيجابي، لكن في المدن الكبيرة لن يكون من السهل تطبيقه نظرا لقلة عدد الموظفين المكلفين بالموضوع.
وانتقد عثمان، في حديثه لمنصة "المشهد"، ما اعتبره "بيروقراطية مزعجة"، حيث إن عدد الذين يتقدمون بطلب الجنسية أكبر بكثير من عدد الموظفين الذين سيبحثون ملف المتقدّم.
ويتضمن القانون الجديد عددا من التعديلات، لعل أبرزها:
- تقصير فترة الإقامة المطلوبة في ألمانيا من 8 إلى 5 سنوات.
- ستمنح الأطفال المولودين في ألمانيا الجنسية إذا كان أحد والديهم يعيش في البلاد لمدة 5 سنوات.
- السماح بازدواجية الجنسية أي الحصول على الجنسية الألمانية من دون ضرورة التخلي على جنسية البلد الأصلي.
- الذين اندمجوا في المجتمع ويتقنون اللغة الألمانية، يمكنهم التقدم بالطلب بعد ثلاثة أعوام فقط.
وزيرة الداخلية نانسي فايسر رحبت بموافقة الحكومة الفيدرالية على القانون، قائلة إن القانون الجديد هو أحد أهم إصلاحات الائتلاف الذي يحكم ألمانيا.
وسلطت فايسر الضوء على أهمية قانون الهجرة الجديد الذي يسهم في تطور البلاد وجعلها في صدارة المنافسة العالمية لألمع العقول.
ووفقا للوزارة، فإن نحو 5.3 ملايين من أصل 12 مليون أجنبي موجود حاليا في ألمانيا يعيشون في البلاد منذ 10 سنوات على الأقل.
قانون الجنسية الألمانية الجديد
وينظر اللاجئ العراقي إلى مسألة ازدواج الجنسية بكونها نقطة مضيئة، جيث ستسمح للكثير من المهاجرين في ألمانيا الحصول على الجنسية تحديدا الأتراك، مشيرا إلى أن أسباب هذه التغييرات تتمثل في:
- الحاجة لليد العاملة في ألمانيا خصوصا أن هذا البلد مصنع وإنتاجيته كبيرة.
- منع الهجرة العكسية ووقف صعود اليمين المتطرف.
ويقول عثمان إن "المقيم هنا (ألمانيا) يفكر بالاستقرار ويعتبر نفسه ابن البلد ويرفض الانتقال لدولة أخرى".
وتابع عثمان أن القانون سيساهم أيضا في عدم الشعور بالخوف من الترحيل والمساهمة بالقرار السياسي بالإضافة للمساهمة الاقتصادية.
أما عن السلبيات، فيرى عثمان أنها تتمثل في إمكانية تجنيس أشخاص ليسوا مندمجين في المجتمع الألماني ولا يعرفون اللغة الألمانية.
"لكن في جميع الحالات قانون إيجابي"، يؤكد عثمان.
تسهيل الاندماج في ألمانيا
يوضح الكاتب والباحث السياسي في برلين الدكتور عبد الرحمان عمار أن أحد أهم التغييرات في القانون هي مدة الحصول على الجنسية الألمانية، حيث إن:
- بعد مدة 5 أعوام بدلا من 8 أعوام يمكن لكل شخص التقدم للحصول على الجنسية الألمانية.
- في حالات أخرى يمكن الحصول عليها بعد 3 سنوات بالنسبة للذين يتقنون الألمانية واندمجوا بشكل جيد.
- إضافة إلى اللغة الألمانية هناك شرط أساسي وهو الاستقلالية المالية وعدم الاعتماد على المساعدات الاجتماعية المقدمة من الدولة، وهو أيضا شرط لن يشمل الجميع وستكون هناك لاستثناءات.
ويقول عمار: "يبقى التغيير الذي شكل ازدواجية الجنسية أهم لأن له أبعادا سياسية وثقافية وهوياتية.
بفضل هذا التغيير لن يضطر الكثيرون للتخلص من جنسية بلدهم الأصلي حين يتقدمون بطلب الحصول على الجنسية الألمانية".
ويشرح الخبير في تصريح لمنصة "المشهد" أنه في السابق كان ذلك يدفع البعض للتخلي عن جنسيتهم خوفا من فقدان امتيازات في بلدانهم الأصلية كالمسائل المتعلقة بالملكية هناك.
في المقابل، يشير عمار إلى أن رفض ازدواجية الجنسية سابقا حرم الكثيرين في ألمانيا من المشاركة السياسية في الانتخابات.
ويرى المتحدث ذاته أن الهدف من قبول ازدواجية الجنسية هو تسريع وتسهيل الاندماج.
سلبيات وإيجابيات
على عكس طرح عثمان، يرى عمار أن من إيجابيات القانون الجديد تبسيط البيروقراطية المعقدة للحصول على الجنسية الألمانية، ويقول:
- كانت تعطي الانطباع بأنه يجب عليك أن تقاتل لتكون ألمانيا وأنك لست موضع ترحيب.
- غالبية الألمان كانوا يتذمرون منها والبعض أوقف الاجراءات وقرر عدم الحصول على الجنسية.
أما عن السلبيات فيعددها الباحث السياسي في ما يلي:
- التركيز على المهاجرين ذوي الكفاءات الذين ستستفيد منهم ألمانيا وعدم تقديم تسهيل الحصول على اللجوء في ألمانيا أو حصول اللاجئين على الجنسية بعد سنوات من عيشهم في البلاد.
- حيث إن أحد أهم الأهداف تبقى هي جذب الأيدي العاملة الأجنبية لتعويض النقص الحاد في البلاد.
التغيير الديموغرافي في ألمانيا
من جهة أخرى، عزا الخبير في شؤون اللاجئين في اليونان، نادر حلبوني، السبب الرئيسي وراء مشروع قانون ألمانيا الجديد قبول ألمانيا للاجئين عام 2015.
ويوضح حلبوني أن ألمانيا ليس لديها خوف من حدوث تغيير ديموغرافي، على عكس اليونان التي لا تعطي جنسيات بشكل سهل بسبب قربها من تركيا.
ويضيف حلبوني في تصريح لمنصة "المشهد" أنه على عكس ألمانيا، فاليونان تحاول حماية التوازن العرقي والديموغرافي وحتى الديني.
أما في بريطانيا وفرنسا، فيشير المتحدث ذاته إلى حملات اليمين المتطرف والضغط على الحكومات الذي دفع لندن وباريس إلى تقييد قوانين الهجرة واللجوء.
إضافة إلى الدنمارك والسويد اللتين تفرضان قوانين مشددة للحصول على الجنسية، بسبب رحيل عدد من المهاجرين بعد تجنيسهم.
وكشف المصدر ذاته أن مشروع القانون لقي ترحيبا كبيرا من المهاجرين لأنهم هم المعنيون بالدرجة الأولى به. لكن المعارضة خصوصا التحالف المسيحي واليمين الشعوبي ينتقد ما وصفته بـ"التساهل في شرط إتقان الألمانية" وأيضا السماح بازدواجية الجنسية.
"وكأنه يريد فقط أن يبقى الاختيار بين أن تكون ألمانيا فقط أو لا تكون"، يختم عمار تصريحه لمنصة "المشهد".
هدف القانون الجديد
القانون الجديد الذي صادقت الحكومة الألمانية عليه في الثالث والعشرين من أغسطس الجاري، يسهل وبشكل كبير إجراءات الحصول على الجنسية للمهاجرين، بل ويسمح لفئات واسعة في ألمانيا بازدواجية الجنسية.
وبحسب التلفزيون الألماني، ينتظر القانون مصادقة البرلمان (بوندستاغ).
ويذكر أن إصلاح قانون الجنسية كان من التعهدات الرئيسية للمستشار أولاف شولتز بعد وصول ائتلافه الحكومي (إشارة المرور) إلى السلطة نهاية عام 2021.
وبحسب التلفزيون الألماني تهدف ألمانيا، من خلال القانون، إلى جلب اليد العاملة الماهرة لتجاوز العجز الذي يعاني منه اقتصاد البلاد.
وأصرت الحكومة على تنفيذ هذا الإصلاح رغم انتقادات المعارضة اليمينية.