على وقع احتدام السباق الانتخابي في تركيا، اعتبر رئيس حزب العمل التركي أرجومنت أكدينيز في حديث خاص مع منصة "المشهد" أنّ "العامل الحاسم للفوز والخسارة في هذه الانتخابات، هو الدعاية الانتخابية".
وشرح الزعيم اليساري التركي، أنه "في ظروف مثل تلك السائدة حاليا في الانتخابات التركية، والشبيهة بالحروب الدعائية، فإنّ القادر على القيام بدعاية أكثر فاعلية، يحسم النتيجة لصالحه، والحكومة لديها ميزات وصلاحيات في هذا المجال، حيث لديها شبكة إعلامية ضخمة يتم التحكم بها من القصر الرئاسي".
استهداف المعارضة
وحزب العمل، حزب يساري تركي تأسّس عام 1996، وينشط في صفوف "العمال والطبقات الكادحة"، ويدعو إلى سيادة العمال والديمقراطية الشعبية، ولديه فروع في كامل أرجاء البلاد، وأجنحة شبابية، بالإضافة إلى صحيفة "إفريسنال" اليومية المطبوعة.
وأتّهم أكدينيز الحكومة التركية الحالية، "بمواصلة اتّباع الاستراتيجية ذاتها التي اتبعتها سابقا، بهدف توسيع قاعدة ناخبيها منذ 20 عام".
ويعتمد زعيم حزب العدالة والتنمية على الخطابين القومي والديني، في سعيه إلى تمكين قاعدته الانتخابية، ففي حين لا تخلو خطاباته من المصطلحات الدينية، يصوّب سهامه باستمرار في اتجاه اليسار الكردي، متّهما إياه بالانفصالية والإرهاب والعمالة، والكثير من التهم الخطيرة.
وبيّن أكدينيز أنّ الحكومة "تعمل على مكافحة الإرهاب، والذي يتمثّل بالأكراد، حيث تعتبرهم تهديدا لأمنها القومي، داخل وخارج البلاد، كما تحاول تقويض قوة التحالف الذي تجمّع حول حزب المعارضة الرئيسي، باستهدافه على أرضية علاقته مع الأكراد".
ينضوي حزب العمل الذي يترأسه أرجومنت أكدينيز تحت مظلّة تحالف "الحرية والعمل"، وهو التيار الثالت في تركيا، إلى جانب "تحالف الشعب" و"تحالف الأمة".
وعلى الرغم من عدم انضمامه إلى المعارضة السياسية، إلا أنّ تحالف "الحرية والعمل"، أعلن عن دعمه لمرشّح المعارضة وزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، بشكل علني، في خطوة تؤكد على أولويّتها المتمثّلة بالإطاحة بإردوغان.
وعود شعبوية
يقود هذا التحالف حزب الشعوب الديمقراطي، ويضم إلى جانبه، حزب العمل، وحزب الحركة العمالية، وحزب العمال التركي، وحزب الحرية المجتمعيّة، وحزب اتحاد الجمعيات الاشتراكيّة.
ووفق أكدينيز فإنّ إحدى أدوات الدعاية الانتخابية للرئيس التركي أيضا، "نشر الأخبار التي تجذب الشعب التركي باستمرار، وقطع الوعود المعيشية له، فعلى سبيل المثال يقول: وجدنا الغاز الطبيعي، ويعد برفع الحد الأدنى للأجور والرواتب بعد الانتخابات، وغيرها من الوعود".
اعتاد الرئيس التركي الإعلان عن اكتشافات للغاز والثروات المعدنية مع كل تراجع لقيمة الليرة التركية، في محاولة لتهدئة الشارع التركي، وضبط النزيف في شعبيته، حيث أعلن إردوغان عن اكتشافات للطاقة لـ 43 مرة منذ عام 2003، من دون وجود أنباء مؤكدة عن عمليات استخراجها وتسويقها، كان آخرها بداية شهر مايو الحالي.
وأشار أكدينيز إلى أنّ إردوغان "يحاول تهدئة الأتراك (المستائين من سياساته) بالطائرات من دون طيّار المصنّعة محليا، والإيحاء بأنّ تركيا تنمو وتتطور، وأنها خامس دولة في العالم من ناحية إنتاج الأسلحة، محاولا إقناع الناخب التركي بضرورة تحمّل الأوضاع الاقتصادية، التي هي نتيجة هذا التطور والنمو، لهذا فإنّ الشرائح التي ترغب في مواصلة حياتها بشكل طبيعي، تدعم كمال كيليجدار أوغلو، كما يدعم التحالف الذي نحن جزء منه كيليجدار أوغلو، للإطاحة بنظام الرجل الواحد الذي أسّسه إردوغان".
و ردا على سؤاله حول توقّعه لنتائج الانتخابات وتقييمه للمشهد الشعبي الانتخابي في تركيا، أجاب أكدينيز: "منذ أن بدأت أعمال الدعاية الانتخابية، كنت أحضر الاجتماعات والتجمعات الانتخابية، وأراقب شخصيا العمل بين العمال، عندما ننظر إلى الوضع الميداني ، فإنّ الصورة التي تظهر هي: ردة الفعل ضد حكومة إردوغان التي كانت في السلطة منذ 21 عاما، تتزايد كل يوم، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الموادّ الغذائية الأساسية، بسبب الأزمة الاقتصادية، إذ ارتفعت الإيجارات وانخفضت القيمة الحقيقية للأجور، تزامن ذلك مع ازدياد عدد العاطلين عن العمل، وتقييد حرية الصحافة، واعتقال الصحفيين".
تراجع الليرة التركية
وانخفضت قيمة الليرة التركية من 1.6 مقابل الدولار الأميركي الواحد في عام 2003، حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، إلى 19.50 اليوم، فيما تراجع الحدّ الأدنى للأجور والرواتب، من 450 دولارا أميركيا للشخص الواحد، إلى 220 دولارا اليوم، كما تضاعف عدد العاملين بالحد الأدنى للأجور والرواتب في البلاد.
ورأى رئيس حزب العمل، أنّ "مصطلح "اليسار" و "اليمين" لا يصفان المشهد السياسي في تركيا بدقة، إذ لا يختلف برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي الذي يقود تحالف الأمة، والذي يشار إليه باليسار، عن برنامج الحزب الحاكم، كلاهما يدعم الاحتكارات وأصحاب العمل الكبار في تركيا، والفرق الوحيد هو أنّ حزب العدالة والتنمية يفضل جماعته الرأسمالية الموالية، بينما يسعى حزب الشعب الجمهوري إلى توزيع أكثر إنصافا".
وأشار أكدينيز إلى "استخدام الحزب الحاكم لموارد الدولة المالية بشكل مفرط، إذ يتعرض الموظفون العموميون للتهديد بالفصل، لإجبارهم على حضور تجمّعات السلطة الانتخابية، لإظهار أنّ هناك تأييدا واسعا للحكومة، ويخضع المجلس الأعلى للانتخابات والجيش والشرطة، لسيطرة الحزب الحاكم. لذلك، هناك سباق غير متكافئ من ناحية الإمكانات، في وقت يمكن فيه للحزب الذي يمتلك هذه الموارد، أن يقوم بسهولة بالدعاية والحفاظ على السيطرة على العملية الانتخابية".
وفي إجابته عن سؤال حول إمكانات ووسائل المعارضة التركية في الترويج لنفسها، كون الحكومة تحتكر كل الوسائل الموجودة تقريبا، بيّن أكدينيز أنه "إلى جانب صحفنا ومنشوراتنا وقدراتنا المحدودة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس لدينا أيّ وسيلة مادية أخرى، سوى قوة الشعب والكراهية المتزايدة ضد الحكومة".
الهوية الكردية
يُنظر إلى تحالف العمل والحرية على أنّه ليس تحالفا انتخابيا فحسب، بل تحالف نضالي قائم على القيم العامة لليسار، من حقوق العمال والكادحين، حيث استمدّ اسمه، كما أنّ وجود "حزب الشعوب الديمقراطي" على رأسه، يشير إلى التوافق على الرؤية حول "المسألة الكردية"، التي تُعتبر مشكلة البلاد الأساسية، وإن تراجعت أولويتها بالنسبة للناخب التركي مؤخّرا لصالح الاقتصاد. وحول هذا الأمر رأى أكدينيز، أنّ "حزب الشعوب الديمقراطي الشريك في تحالفنا الحرية والعمل، والذي يمثّل الحركة السياسية الكردية، يركّز على المطالب المتعلقة بالهوية الكردية والمطالب السياسية، وعلى وحدة وطنية تجمع العمال وأصحاب العمل، وهناك أيضا أحزاب يسارية في التحالف وداخل حزب الشعوب الديمقراطي، وحزبنا هو حزب اشتراكي يعمل داخل الطبقة العاملة".
ويقود تحالف "الحرية والعمل" حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وهو ثاني أكبر حزب معارض في تركيا، والثالث من حيث الحجم في البرلمان، وتتهمه السلطة، وأحزاب يمينية معارضة، بكونه الجناح السياسيّ لحزب العمال الكردستاني، المصنّف على قائمة الإرهاب في تركيا وعدد من الدول الغربية.
انقسمت أحزاب العاصمة إلى كتلتين رئيسيّتين وفقا لأكدينيز، "اليسار واليمين، الكتلة الحاكمة أكثر شمولية وقمعية وتميل إلى الفاشية، والكتلة الأخرى تعارض الحكومة بأحزابها اليمينية في قضايا القومية العلمانية وبعض الحريات الأساسية. لذلك، فإنّ النضال من أجل الديمقراطية في تركيا الآن، ليس بين اليسار واليمين، ولكن بين البرنامج الذي يصوغ الطبقة والهوية وحقوق ومطالب الطبقة العاملة والمضطهدين، ضد برنامج أرباب العمل".
وختم أكدينيز حديثه بالقول: "سيستمر الصراع (من أجل الحقوق والديمقراطيات) في تركيا، بغضّ النظر عمّن سيصل إلى السلطة، وسيخلق انسحاب نظام الرجل الواحد متنفّسًا لهذا الصراع".