تعدّ شبكة الأنفاق السرية التابعة لحركة "حماس" داخل قطاع غزة، القوة الضاربة للحركة التي تلجأ إليها في مواجهة إسرائيل في أيّ حرب عسكرية قد تطرأ بين الطرفَين، ويطلق أهالي القطاع على هذه الأنفاق اسم "المدينة الأرضية" في حين تسمّيها إسرائيل مترو "حماس".
وبدأ بناء الأنفاق داخل قطاع غزة قبل أن تسحب إسرائيل قواتها عام 2005، وتم تكثيف بناء هذه الأنفاق بعد سيطرة حركة "حماس" على القطاع بعد ذلك بعامَين.
ويصل عمق البعض من هذه الأنفاق إلى 30 أو 40 مترًا تحت الأرض، وتمتد لمسافة تقدّر بأكثر من 800 كيلومتر بحسب خبراء، ولها العديد من الاستخدامات من أبرزها:
- تُستخدم لشنّ الهجمات وتخزين الصواريخ ومخابئ الذخيرة.
- تضم مراكز القيادة والسيطرة التابعة لـ"حماس".
- تُستخدم للتحفّظ على الأسرى الإسرائيليّين الذين يتم اختطافهم من قبل الفصائل الفلسطينية.
- جميعها بعيدة عن أعين طائرات الجيش الإسرائيلي ومسيّرات الاستطلاع بحسب خبراء.
- مجهّزة بالكهرباء والإضاءة ومسارات السكك الحديدية.
وكانت إسرائيل قد شنّت هجومًا بريًا على غزة في عام 2014، لمحاولة القضاء على شبكة الأنفاق الموجودة تحت الأرض، وفي عام 2021 أعلن الجيش الإسرائيليّ تدمير «أكثر من 100 كيلومتر» من هذه الحصون تحت الأرضية بفضل الضربات الجوية، وفي الوقت ذاته أوضحت "حماس" أنّ أنفاقها تمتدّ لمسافة 500 كيلو متر وأنّ 5% فقط منها أصيبت.
واليوم ومع تصاعد وتيرة الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة المحاصَر برًا وبحرًا وجوًا، وفي ظل استمرار تعرّض حياة مليونَين ونصف المليون إنسان في غزة، للمخاطر الحقيقة من جرّاء هذه الحرب، برز العديد من الأسئلة التي تدور في أذهان المواطن العربي حول هذه الأنفاق أو المدينة الأرضية لـ"حماس"، وأهميّتها للمدنيّين داخل قطاع غزة، ولماذا لا يتمّ استخدامها في الحفاظ على أرواح المدنيّين الفلسطينيّين خصوصا في الأماكن المستهدفة من قبل إسرائيل.
الأنفاق سلاح "حماس" الأقوى في مواجهة إسرائيل
منصة المشهد حاولت الوقوف على إجابة العديد من هذه التساؤلات عبر عدد من العسكريّين والمتخصّصين في المجال الأمني، فبداية يقول اللواء السيد الجابري الخبير العسكريّ والاستراتيجي، إنّ الأنفاق الموجودة داخل قطاع غزة تمثّل "كابوسًا" للجيش الإسرائيلي الذي وعلى الرغم من امتلاكه العديد من المزايا والتقنيات العالية فوق الأرض، إلا أنّ كل هذه المميزات تُعتبر غير فعالة عندما يذهب الجنود تحت الأرض، وبالتالي لا تستطيع إسرائيل إرسال جنودها إلى داخل هذه الممرات الضيقة للغاية والخانقة، والتي تعاني انخفاض الأكسجين ومليئة بالالتواءات الصعبة.
ويضيف الخبير العسكريّ أنه من الصعب جدًا التعامل مع تلك الأنفاق أيّاً كان مكانها، حتى عندما تكون في منطقة جبلية لكن عندما تكون في منطقة حضرية ومأهولة بالسكان، كما الوضع داخل قطاع غزة يصبح كل شيء أكثر صعوبة وتعقيدا، بما في ذلك الجوانب التكتيكيّة والجوانب الاستراتيجية.
وحول السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين والذي مفاده لماذا لا تحمي "حماس" المدنيّين الغزّيين داخل أنفاقها، يقول اللواء الجابري أنّ هذا الأمر غير منطقيّ على الإطلاق نظرًا للعديد من الصعوبات التي ستواجه تنفيذ هذا الأمر، والتي من بينها استحالة إنزال الآلاف من المواطنين تحت الأرض، وأنّ هذه الأنفاق غير مهيّأة للعيش بداخلها لهؤلاء المواطنين، فالحياة فيها ليست مرفّهة، كما يتخيّل الكثيرون.
الفرق بين الأنفاق والملاجئ
ويؤكد الخبير العسكري أنّ هناك فارقًا كبيرًا بين الأنفاق وبين الملاجئ، فالأخيرة يتم بناؤها داخل الدول وأماكن النزاعات والحروب، لكي يستخدمها المدنيون في الاحتماء بها والحفاظ على حياتهم وسلامتهم من أيّ أخطار تحدق بهم عند اندلاع مواجهات عسكرية كالتي موجودة تمامًا داخل المدن الإسرائيلية ويتم فتحها أمام المواطنين الإسرائيليين في حال سقوط صواريخ تطلقها الفصائل الفلسطينية، أما الأنفاق فهي مصمّمة بطريقة معقّدة تتيح للعناصر المحاربة استخدامها فقط، ومشيرًا إلى أنّ فلسطين لا توجد بها ملاجئ.
ويتفق خبير مكافحة الارهاب الدولي اللواء رضا يعقوب مع اللواء السيد الجابري، في صعوبة استخدام الأنفاق بالنسبة للمدنيّين، حيث يؤكد يعقوب على وجود فارق كبير من المقاتل والمواطن العادي، فالأول لديه القدرة على تحمّل قسوة الظروف الحياتية التي يواجهها أيًا كان شكلها وطبيعتها، فهو مدرب على هذا، أما المواطن العادي لا يستطيع تحمّل العيش في مثل هذه الخنادق الضيّقة والتي تتمتع بظروف قاسية وغير عادية.
ويصف اللواء يعقوب، الذين يطالبون بحماية المدنيّين الفلسطينيّين داخل الأنفاق "بالانهزاميّين" ولا يدركون طبيعة الصراع بين الفصائل الفلسطينية المدافعة عن أرضهم، وبين الجيش الإسرائيلي، فهذه الأنفاق يستخدمها المقاتل للاختباء بداخلها وعمل مناورات ومفاجآت لعدوّه على مختلف المستويات التكتيكية والمعلوماتية والعمليّاتية.
وبحسب اللواء يعقوب، فإنّ الأنفاق السرية لـ"حماس" نجحت وبشكل كبير حتى اللّحظة في عدم فرض إسرائيل سيطرتها بشكل كامل على الحرب الدائرة، وما يعزز هذا الكلام هو فشل الجيش الإسرائيليّ إلى اليوم في دخول قطاع غزة لم تتوغل قواته سوى مسافة بسيطة في القطاع الفلسطيني المحاصر، إضافة إلى تكبّد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة سواء في عدد جنوده أو معدّاته العسكرية.
وكانت الأصوات قد بدأت تتعالى مؤخرًا حول الحديث عن استخدام شبكة الأنفاق التي أنشأتها حركة "حماس" أكبر الفصائل العسكرية داخل فلسطين، في حماية المدنيّين العزّل بقطاع غزة الذي يواجه في هذه الأيام حربًا شرسة من قبل إسرائيل، وسقوط الآلاف منهم حتّى الآن وسط عدم توافر أدنى حماية لهم من مخاطر هذه الحرب.