منذ وصولهما إلى السلطة بفارق أشهر قليلة في عام 2017، شهدت علاقة الرجلين خلافات متكررة زاد حدّتها، من جانب ترامب، سيل من الإهانات والتهديدات والسخرية العلنية.
غير أنّ ماكرون كان ينجح، في الغالب، في احتواء تلك الخلافات وكبح اندفاعات ترامب عبر لحظات ودّ وإشادة متبادلة.
نهاية اللطف؟
اليوم، ومع تهديد ترامب بفرض رسوم جديدة على الشمبانيا وغيرها من الصادرات الفرنسية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت تلك الاستراتيجية قد استنفدت أغراضها.
وفي ظل تهديد ترامب بغزو غرينلاند، وهي إقليم تابع لحليف في حلف شمال الأطلسي، لم يعد واضحًا ما إذا كان "سحر" ماكرون قادرًا على نزع فتيل أكبر الخلافات بينهما بحسب نيويورك تايمز.
وقال فيليب أغيّون، الاقتصادي الفرنسي الحائز جائزة نوبل العام الماضي، لقناة "بي إف إم" من دافوس، الثلاثاء، "علينا أن نتوقف عن سياسة الإغراء، رئيس الجمهورية بالغ في الرهان على السحر معتقدًا أنه سينجح، لا، هذا لا يجدي نفعًا".
ودعا القادة الأوروبيين إلى "فعل كل ما يلزم" لمعارضة مسعى ترامب للسيطرة على غرينلاند.
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، اتخذ ماكرون موقفًا أشد صرامة، مؤكدًا أنّ فرنسا لن ترضخ للترهيب ومحاولات تقويض السيادة الأوروبية.
وقال، "نحن نفضّل الاحترام على التنمّر"، مضيفًا، "ونفضّل سيادة القانون على القسوة".
صفات مشتركة
وبحسب التقرير، فإنّ التصادم بين ماكرون وترامب هو أمر حتمي، نظرًا لتباين مواقفهما بشأن التجارة والهجرة وتغيّر المناخ.
ومع ذلك، استمر التواصل بينهما. فهما يشتركان في سِمتين واضحتين: حبّ الحديث، وبناء السياسة الخارجية على علاقات شخصية مباشرة مع القادة.
وخلال أول زيارة رئاسية لترامب إلى باريس عام 2017، تبادل الزعيمان المصافحة الحميمية وتقبيل الخدود، وأغدقا عبارات الإشادة.
وبعد عام، وخلال زيارة دولة لماكرون إلى البيت الأبيض، ربت ترامب على كتفه، معلنًا "أنا أحبه كثيرًا".
لكن في العام التالي، هاجم ترامب ماكرون بسبب انتقاده قيادة الولايات المتحدة لحلف الناتو، واصفًا تصريحاته بأنها "مسيئة جدًا" و"سيئة للغاية".
وردّ ماكرون متمسكًا بموقفه، "تصريحي أحدث ردود فعل، وأنا متمسك به".
وعلى مدى السنوات، تمثلت إستراتيجية ماكرون في التعامل مع "نزوات ترامب" وتقلباته في الجمع بين الودّ والحزم بحسب التقرير، مع الدفع نحو استقلالية أوروبية أكبر والدفاع عن السيادة الأوروبية.
ومع بدء الولاية الثانية لترامب، الأكثر اضطرابًا، ضاعف ماكرون تمسّكه بهذه المقاربة، حتى مع تصاعد تهديدات ترامب وسخريته الشخصية، المتخللة أحيانًا بتعابير ودّ.
رسائل خاصة على العلن
في يونيو الماضي، عندما قال ماكرون إنّ ترامب غادر قمة مجموعة السبع مبكّرًا، للعمل على وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، هاجم ترامب نظيره الفرنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلًا، "سواء عن قصد أو غير قصد، إيمانويل يخطئ دائمًا".
وفي يوليو، بينما كان ماكرون يعمل على حملة للاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال قمة للأمم المتحدة، قال ترامب للصحافيين في واشنطن، "ما يقوله لا يهم".
وأضاف، "إنه رجل طيب وأنا أحبه، لكنّ هذا التصريح لا وزن له".
ورغم الخلافات، يؤكد دبلوماسيون فرنسيون، أنّ الزعيمين يتحدثان هاتفيًا بانتظام، أحيانًا كل يومين.
وتجلّت هذه الألفة في سبتمبر الماضي بنيويورك، خلال قمة الأمم المتحدة.
فحين علقت قافلة ماكرون في ازدحام مروري، وبعد فشله في إقناع شرطي بالسماح له بالمرور، أخرج هاتفه واتصل بترامب الذي ردّ على المكالمة.
وقال ماكرون مازحًا، "تخيّل! أنا عالق في الشارع لأنّ كل شيء متجمّد من أجلك".
وأكّد ترامب الثلاثاء ربما من دون قصد بحسب الصحيفة، طبيعة العلاقة المتواصلة والمتوترة، بنشره رسائل نصية خاصة مع ماكرون على منصته تروث سوشيال.
وقد استخدمها الرئيس الفرنسي للإشادة بتوافقهما بشأن سوريا وإيران، لكنه كتب أيضًا، "لا أفهم ما الذي تفعله في غرينلاند".
ثم وجّه ماكرون دعوة لترامب إلى باريس، لعشاء واجتماع مع قادة أوروبيين آخرين، وكتب، "دعنا نتناول العشاء معًا في باريس يوم الخميس قبل عودتك"|.