شهدت سوريا في العام لـ12 من الحرب، استقرارًا نسبيًا في الحالة الميدانية، مع تراجع التوتر في خطوط النار شمال البلاد، ليقتصر على هجمات نقطية من قبل "داعش" في البادية، والمجموعات المسلّحة في الشمال ردّ عليها الجيش السوريّ بالقصف المدفعيّ والجوي، من دون تسجيل عمليات عسكرية واسعة النطاق على الأرض.
لكنّ "الاستاتيكو" الميدانيّ السائد لم ينسحب على الساحة السياسية، التي شهدت حراكًا دبلوماسيًا عربيًا بعد غياب لأكثر من عقد تحت عنوان عريض، تمثّل "بمساعدة سوريا وشعبها"، حملت في طيّاتها تفاصيل عديدة أبرزها "عودة دمشق إلى الحاضنة العربية"، وخفض النفوذ الإيرانيّ، وغيرها من الأهداف السياسية المعلنة.
في المقابل، واصلت تل أبيب غاراتها على البنى التحتية والمواقع العسكرية السورية، بالتوازي مع استمرار أنقرة في استهداف المنشآت الحيوية والبنى التحتية في مناطق شمال شرق سوريا الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب نقاط الجيش السوريّ في المناطق الحدودية.
وفي زحمة الأحداث التي شهدتها سوريا في عام 2023، تكاد تكون كارثة الزلزال واستعادة دمشق لمقعدها في الجامعة العربية، أبرز عناوين العام الحالي، فاجعة مقابل الأمل، في صورة متطابقة مع التباينات التي تعيشها البلاد من بداية العقد الثاني من القرن الحالي.
الغارات الإسرائيلية أخرجت مطارَي دمشق وحلب عن الخدمة مرارًا
استهلّ السوريون عامهم الجديد بغارة إسرائيلية على مطار دمشق الدوليّ أخرجته عن الخدمة في 2 يناير الماضي، لتتواصل بعدها الاستهدافات الإسرائيلية المتتالية، التي تسببت في بقاء كل من مطارَي دمشق وحلب خارج الخدمة لفترات طويلة، تجاوزت بعضها الأسابيع، فيما اضطرت شركات الطيران المحلية والخارجية – محدودة العدد – إلى تحويل رحلاتها لمطار اللاذقية، الذي بقي بمنأًى عن الغارات الإسرائيلية كونه متاخمًا لقاعدة حميميم العسكرية الجوية الروسية.
إلى جانب الخسائر البشرية التي تسببت بها هذه الاستهدافات في صفوف الجنود وحتى المدنيّين، ومنها وفاة موظفين من هيئة الأرصاد الجوية السورية على سبيل المثال لا الحصر، فإنها في الوقت ذاته، زادت من صعوبات السوريّين المغادرين والعائدين، الذين اضطروا في الكثير من الأحيان إلى تحمّل تكاليف وأعباء إضافية لبلوغ وجهات السفر المطلوبة، سواء من خلال المطار السوريّ الوحيد العامل، أو التوجّه نحو مطار بيروت المجاور.
وبطبيعة الحال، لم تنحصر هذه الغارات بالمطارات فقط، بل طالت أحيانًا مناطق سكنية ومأهولة تحت مسمّيات استهداف عناصر مرتبطة بإيران أو حزب الله، كتلك التي أدت إلى تدمير طوابق من بناء سكنيّ في منطقة كفر سوسة وسط العاصمة السورية دمشق في 19 فبراير، وأودت بحياة 5 مدنيّين مخلّفة أكثر من 15 جريحًا مدنيًا.
ويتوقّع المراقبون استمرار مسلسل الغارات الإسرائيلية في ظل غياب عنصر الردع ووسائل الوقاية السورية، التي تكبّدت منظوماتها للدفاع الجوي خسائر كبيرة خلال أعوام الحرب، وحالت الأزمة الاقتصادية العميقة والعقوبات الغربية دون إمكانية ترميمها وتحديثها من جهة أخرى.
فاجعة الزلزال زادت من معاناة السوريّين
استفاق السوريون في معظم أنحاء البلاد فجر 6 فبراير، على وقع هزة أرضية شديدة لامست لـ8 درجات على مقياس ريختر، وأودت بحياة المئات في المحافظات الشمالية القريبة من مركز الزلزال في ولاية مرعش التركية.
وضع الزلزال الحكومة السورية أمام تحدّ عصيب في ظل ضعف إمكاناتها اللوجستية والمالية والاقتصادية، في مواجهة أحد أكبر الكوارث الطبيعية التي تعرضت لها البلاد منذ قرنَين تقريبًا، فيما ساهمت المساعدات الإنسانية المرسلة من قبل دول عربية وأجنبية، وفي طليعتها دولة الإمارات العربية المتحدة، في تجاوز بعض آثار الفاجعة، والتي تنوّعت بين فرق للبحث والإنقاذ وأغاثة طبية وغذائية ولوجستية للمتضررين.
كما أجبرت الضغوط السياسية والمدنية المتصاعدة، واشنطن في 10 فبراير، على تجميد سلسلة من العقوبات التي تفرضها على دمشق لمدة 180 يومًا تحت مسمّى "بالمعاملات المتعلقة بجهود الإغاثة من الزلزال".
وفي سياق متّصل، عبّدت الكارثة الطريق أمام الاتّصالات السورية-العربية من خلال ما أُطلق عليه مصطلح "دبلوماسية الزلزال" حينما استقبلت مدينة حلب المنكوبة أول طائرة سعودية حطّت في مطار سوريّ منذ بدء الحرب السورية، حاملة مساعدات إنسانية مقدّمة من الهلال الأحمر السعوديّ لمتضرري الزلزال.
التطبيع السوريّ-العربي
اتّخذت دولة الإمارات العربية المتحدة زمام المبادرة في التطبيع مع دمشق، من خلال استعادة علاقاتها مع سوريا في عام 2018، لتتبعها دول البحرين والأردن بعد فترة وجيزة، فيما أبدت المملكة العربية السعودية اهتمامها بالتقارب مع بداية العالم الحالي، ليسهم الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في فبراير، في تسريع جهود التطبيع، التي تأثّرت أيضًا باتّفاقية استعادة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران بوساطة صينية في مارس المنصرم.
واستقبلت دمشق في 4 يناير، بأول ضيوفها العرب في عام 2023، وزير الخارجية الإماراتية الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، بعد 10 أشهر من الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس بشار الأسد إلى دولة الإمارات، تلته زيارة وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان إلى دمشق في أبريل الماضي في أول زيارة رسمية سعودية إلى سوريا، منذ القطيعة بين الدولتَين في عام 2011، ممهّدًا الطريق أمام استعادة سوريا لمقعدها في جامعة الدول العربية، التي أعقبتها مشاركة الأسد في القمة العربية التي احتضنت أول لقاء بين وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان بن عبد العزيز والرئيس السوري، على هامش أعمالها في مدينة جدة السعودية في مايو الماضي.
على الرغم من التوقّعات عالية السقف، إلّا أنّ ايقاع التطبيع العربيّ مع دمشق اتّسم بالبطء بشكل عام، وتراجع زخمه في النصف الثاني من العام الحالي مقارنة مع الأشهر الستة الأولى، وسط تسريبات إعلامية تحدّثت عن تباينات في المواقف بين دمشق وعدد من العواصم العربية، بما يخصّ خريطة طريق التطبيع المسمّاة "خطوة بخطوة" من دون الكشف عن تفاصيلها.
وكما حال اللقاء رفيع المستوى السوري-السعودي الأول، احتضنت السعودية أيضًا أول لقاء بين الرئيس السوريّ بشار الأسد ونظيره المصريّ عبد الفتّاح السيسي، على هامش القمة العربية-الإسلامية الطارئة، وذلك بعد المصافحة الحارة والحوار القصير الذي دار خلال أول مقابلة بين الزعيمَين على هامش القمة العربية في دورتها الـ32، وقت التقاط الصورة التذكارية للمشاركين فيها.
في المقابل غاب التمثيل السوريّ عن اللجنة الوزارية العربية-الإسلامية المعنية بتكثيف الجهود من أجل ترسيخ وقف إطلاق نار مستدام في غزّة، تمهيدًا للوصول إلى حل شامل للملف الفلسطيني.
العلاقات السورية-التركية
وعلى عكس المسار السوريّ-العربي، فإنّ العلاقات السورية-التركية دخلت مرحلة من الجمود مخالفة التوقّعات المتزايدة بإتمام اتفاق عودة العلاقات بين الجانبَين، اللذين أبقيا على قنوات الاتّصال الأمنيّ والعسكريّ مفتوحًا بينهما طوال السنوات الماضية.
بعد اللقاء على مستوى وزراء الدفاع والخارجية، حرص الرئيس التركيّ رجب طيب إردوغان على الحصول على صورة فوتوغرافية مع نظيره السوريّ قبل الانتخابات الرئاسية التركية في مايو الماضي. لكن، ومع حسم الانتخابات المصيرية لصالحه، بدأت أنقرة بالعودة تدريجيًا إلى لغتها السابقة اتجاه دمشق، على الرغم من المساعي الإيرانية-الروسية المشتركة لإتمام الصفقة.
ويعود الجمود في مسار دمشق-أنقرة إلى رفض الأخيرة للمطالب السورية لعودة العلاقات الدبلوماسية، والمرتكزة بشكل رئيسيّ على تحديد إطار زمنيّ وخريطة طريق لسحب أنقرة لقوّاتها العسكرية من الأراضي السورية، والتي تعتبرها دمشق "احتلالًا"، وتوقّفها عن دعم المجموعات المسلّحة المناهضة لها في مناطق سيطرة "الجيش الوطني" المشكّل تركيًا، أو مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" التابعة للقاعدة في إدلب ومحيطها.
في المقابل، تأمل أنقرة في تسخير علاقتها مع دمشق، في حال إنجاز التطبيع، من أجل تصعيد الضغوط على "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" المدعومة أميركيًا، والتي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، ومشروعًا انفصاليًا كرديًا يهدّد أمنها القومي.
توقّعات السياسية السورية لعام 2024
ويرى عضو المكتب السياسي في "الحزب السوري القومي الاجتماعي" طارق الأحمد في حديثه مع منصة "المشهد"، أنه "بالنظر إلى مسار العلاقات السورية-العربية خلال عام 2023، يمكن أن نصفه بالتطور التدريجيّ ولو كان بطيئًا وأحيانا بطيئًا جدًا، وأحيانًا مغايرًا لتوقعات المراقبين، لكن مع ذلك فهي تتطور، بالتالي أعتقد ونظرًا لمجموعة من التناقضات، هذه العلاقات ستتطور خصوصًا أنّ الحكومة السورية حريصة على ألّا تشوب هذا المسار أيّ شائبة، ونحن نلمس هذا الأمر حتى في الإعلام السوري مثلًا الذي يتجنّب أيّ إشارات إلى الماضي".
ويعتبر الأحمد أنّ "هذه العلاقة ستكون ضامنة لعدم حدوث انزلاقات في الأزمات العربية إن لم تكن فعالة في حلّها أصلًا".
أما في ما يخصّ العلاقات السورية-الغربية، فبحسب الأحمد "لا توجد حتى الآن مؤشرات لعودة العلاقات بين الدول الأوربية وحتى أميركا مع سوريا، كما أنّ عودة بعض السفارات إلى دمشق لا تعدّ مؤشرًا".
ويتوقّع الأحمد أن "تضطر الدول الغربية وخصوصا أميركا وفرنسا، للغوص عميقًا في الحدث اللبناني، لحلّ المسائل التي كانت متروكة بعد انفجار مرفأ بيروت، وذلك بتأثير الحرب الفلسطينية، ولبنان يرتبط بسوريا جيوسياسيًا ولو لم يكن هذا الرابط ظاهرًا".
وأضاف "لذلك أتوقع أن نشهد تغيّرًا كبيرًا في الموقف تجاه الحدث السوريّ والحكومة السورية أعقاب هذا الغوص نظرًا للحجم الكبير للملفات المترابطة بين المتعدّيات الثلاثة بيروت دمشق الغرب".