خلال سنوات الحرب في سوريا، انتشرت بين الأطفال والمراهقين ظاهرة خطيرة أصبحت مصدر قلق للخبراء والمجتمع على حد سواء، وهي شم الشعلة.
لم تكن الظاهرة مجرد سلوك عابر، بل انعكاس لواقع مأساوي يعيشونه يوميا، حيث الفقر، والتفكك الأسري، ونقص المتنفسات الآمنة للأطفال جعلتهم يبحثون عن أي وسيلة للهروب من ضغوطهم النفسية الصعبة، وبينما كانت الحرب تحول الشوارع إلى بيئة غير آمنة، وتحرم الأطفال من المدارس والمرافق الترفيهية، كانت مادة الشعلة تتسلل إلى حياتهم، لتترك آثارا صحية ونفسية خطيرة.
ما هي ظاهرة شم الشعلة؟
تعرف مادة الشعلة (اسم علامة تجارية لمادة لاصقة صناعة محلية في سوريا) بأنها لاصق كيميائي محلي يستخدم للجلود والفيبر والكاوتشوك والفلين والإسفنج والكرتون، وهو قابل للاشتعال ويحتوي على البولي كلوروبرين ربر المصنف كمادة خطرة، إضافة إلى مذيبات عضوية مثل التولوين ومواد مساعدة أخرى. ويستعمل الأطفال هذه المادة بوضعها داخل أكياس بلاستيكية واستنشاق الأبخرة الناتجة للحصول على شعور مؤقت بالراحة والهروب من ضغوط حياتهم اليومية وأوضاع الحرب.
تتوافر مادة الشعلة بسهولة في الأسواق المحلية السورية دون أي ضوابط، كما أن سعرها الزهيد يجعلها في متناول الأطفال.
ورغم أن الظاهرة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تسلية، إلا أن لها آثارا صحية ونفسية خطيرة تشمل اضطرابات الجهاز التنفسي مثل السعال الجاف والتخريش المزمن للقصبات، وذمة الحلق والبلعوم، وتلف الحبال الصوتية الذي يؤدي إلى بحة في الصوت، إضافة إلى ضعف التركيز ومشاكل التعلم. كما ترتبط باضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب ونوبات الحزن، وقد تدفع الأطفال لممارسات خطرة دون وعي.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض المزمن لهذه المواد قد يؤدي إلى تلف دائم في الخلايا العصبية، وفشل وظائف القلب والكبد، وحتى الموت المفاجئ في حالات التعاطي الشديد.
آثار نفسية خطيرة
تؤكد الأخصائية النفسية فاطمة العبدالله في حديثها لمنصة "المشهد" أن ظاهرة شم الشعلة باتت من أكثر السلوكيات انتشارا وخطورة، خصوصا بين الفئات الهشة في المجتمع، نظرًا لتأثيرها السريع وضررها الكبير على الجسم.
وتشير العبد الله إلى أن "هذا السلوك في جوهره يعد وسيلة هروب وتعويض يلجأ إليها الطفل أو المراهق عندما يعجز عن التعامل مع مشاعره وضغوطه بطريقة صحية، وغالبا لا يكون الهدف المتعة، بل البحث عن تخفيف مؤقت للألم، إذ يشبه تأثير المادة حالة الانفصال عن الواقع، مما يمنح شعورا آنيا بالراحة ويدفع الطفل إلى تكرار السلوك".
وترى العبدالله أن "الأطفال والمراهقين في البيئات الفقيرة والضعيفة والهشة هم الأكثر عرضة لهذا السلوك نتيجة عوامل عدة، منها الفقر وغياب البدائل الترفيهية والمساحات الآمنة للعب، إضافة إلى التفكك الأسري، والصدمات المتكررة، وتقليد الأقران، وضعف الوعي بالمخاطر الصحية، هؤلاء الأطفال ليسوا سيئين، لكن التحديات التي مروا بها كانت أكبر من قدراتهم، مما دفع بعضهم إلى اللجوء إلى وسائل كهذه".
وتضيف العبدالله أن:
- العديد من المراهقين يلجؤون إلى شم الشعلة للهروب من الضغوط النفسية، بسبب غياب الأهل وضعف المتابعة، وتأثير الرفاق، والشعور بعدم وجود من يسمعهم أو يمنحهم الاهتمام والدعم، إلى جانب تأثيرات الحرب.
- الخطر الحقيقي يكمن في المدى البعيد، إذ يمكن أن تسبب هذه المادة تلفا دائمًا في الخلايا العصبية، وأمراضا في القلب، واحتمال الموت المفاجئ، إضافة إلى الهلوسة، وتراجع المستوى الدراسي، ومشكلات في الذاكرة والتعلم.
- كما تؤدي إلى أضرار عاطفية مثل الاكتئاب والقلق ونوبات الحزن، وقد تدفع الطفل أو المراهق إلى ممارسات خطرة دون وعي.
- انتشار الظاهرة لم يعد بالقوة التي كان عليها خلال سنوات الحرب، لكنها ما تزال موجودة ولم تختف بشكل كامل.
- خلال الحرب تضافرت عوامل مثل الفقر الشديد، وغياب المدارس، وبقاء الأطفال في الشوارع من دون حماية، وهو ما ساعد على انتشارها الواسع.
- مع تبدل الظروف وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها، وازدياد مراكز التوعية، وعودة المدارس إلى العمل، وارتفاع وعي الأهل، تتوقع العبدالله انخفاضا تدريجيا في انتشار هذه الظاهرة.
تدهور الوظيفة التنفسية
بحسب دراسة أميركية رسمية نشرت على "PubMed" بحثت تأثيرات استنشاق المذيبات المزمنة على وظائف الرئة، وجد الباحثون أن المتعاطين يعانون من انسداد تنفسي، سعال، ازدحام أنفي، وضعف في القدرة على ممارسة التمارين.
وبحسب هيئة معهد المخدرات الأميركية (NIDA) فإن بعض المواد المستنشقة قد تضر بالميلين (الطبقة العازلة للألياف العصبية)، مما يقلل من كفاءة الاتصال العصبي، الضرر قد يشمل أيضا انخفاض الأكسجة في الدماغ (نقص الأكسجين)، وهو ما قد يؤدي إلى تلف خلايا عصبية.
من الناحية الصحية، وفي ما يتعلق بتأثير استنشاق مادة الشعلة على الجسم، يوضح دكتور نبوغ العوا، أخصائي الأذن والأنف والحنجرة في حديثه لـ"المشهد" أن "استنشاق هذه المادة يسبب تخريشًا في القصبات الهوائية يؤدي إلى سعال جاف تخريشي. كما يتسبب التعرض لها بحدوث وذمة في الحلق، إضافة إلى تورم الغشاء المخاطي للفم والبلعوم والحنجرة".
ويؤكد العوا أنه "مع استمرار استنشاق هذه المادة، قد تتطور الحالة إلى وذمة مزمنة في الحبلين الصوتيين، مما يؤدي إلى بحة في الصوت، إضافة إلى ضيق في التنفس وصعوبة مرور الهواء عبر الحنجرة".
ويحذر العوا من أنه عند الاستمرار في التعرض لهذه المادة، قد يحدث تضيق في المزمار، وهو الفتحة الواقعة بين الحبلين الصوتيين، نتيجة ازدياد وذمة الحبلين.
وفي هذه الحالة قد يضطر المريض إلى إجراء خزع رغامى بشكل فوري، عبر فتح فتحة في العنق تحت مستوى الحنجرة مباشرة على الرغامى، للسماح بدخول الهواء إلى الرئتين وخروجه منهما عبر هذه الفتحة.
مصدر رسمي يوضح
تقول خزامى النجاد، مديرة مكتب ظاهرة التسول في دمشق، إن وزارة الشؤون الاجتماعية ومديريات الشؤون في دمشق وريفها قامت بوضع خطة وطنية شاملة لمعالجة ظاهرة التسول، وما تؤدي إليه من مظاهر أخرى مثل شم الشعلة.
وتضيف النجاد في حديثها لـ"المشهد" أن اللجنة المكلفة بقيادة هذه الخطة تترأسها وزيرة الشؤون الاجتماعية، وعضوية الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، إلى جانب عدد من الوزارات المعنية، منها: وزارة الداخلية، وزارة العدل، وزارة السياحة، وزارة الصحة، وزارة الإدارة المحلية والبيئة، وغيرها.
وتشير إلى أن هذه الخطة تضمنت إشراك المنظمات غير الحكومية للاستفادة من خبرتها ودورها في تنفيذ برامج المعالجة على أرض الواقع، الخطة الوطنية تتضمن 3 محاور رئيسية:
- الخطة الإعلامية
- خطة التنسيق والإدارة
- الخطة الميدانية
وتلفت النجاد إلى أن هناك حملة ميدانية ستنطلق في نهاية الشهر، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، والدفاع المدني، ووزارة العدل، إضافة إلى مجموعة من المتطوعين. وستغطي الحملة كل من دمشق وريفها، مع التركيز على المناطق الأكثر اكتظاظًا بالحالات.
واختتمت حديثها بأن جهود معالجة ظاهرة التسول لا تقتصر على التدخل الميداني فقط، بل تشمل تعديل السلوك الفردي عبر إنشاء مراكز إدارة الحالة وآليات متابعة دقيقة لكل حالة لضمان تقديم الدعم وإعادة التأهيل بشكل فعّال.