بعد فشل مبادرات السلام الإقليمية والدولية، تدخل حرب السودان شهرها الخامس بحصيلة مأسوية، أكثر من 4 آلاف قتيل، وأكثر من مليون نازح ونظام صحي شبه منهار.
وفي مشاهد مهينة للذات الإنسانية، يُترك الضحايا على قوارع الطرق عرضة للتحلّل، فيما يقف الأطباء عاجزين أمام مشارح مكدّسة بالأموات تنقطع عنها الكهرباء بين الفينة والأخرى.
وأمام أزمة الجثث هذه، حذّرت منظمات دولية من انتشار الطاعون في السودان، ومن تكرار "إبادة جماعية" كتلك التي شهدها إقليم دارفور عام 2003.
وِاندلعت الحرب بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في 15 أبريل.
وتركّزت المعارك في العاصمة وضواحيها وفي إقليم دارفور في غرب البلاد.
لكنّ نطاق الحرب اتسع ليصل إلى مدينتين كبريين هما الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، والفولة، عاصمة ولاية غرب كردفان.
منصة "المشهد" تحدثت إلى عضو نقابة الأطباء في السودان الدكتور عطية عبد الله عطية، واستقت منه تطورات أزمة قطاع الصحة في البلاد، بعد 4 أشهر من الاقتتال.
ما مدى خطورة أزمة الجثث في السودان؟ وما هي المناطق المتضرّرة؟
الدكتور عطية عبد الله: أولا: يجب أن نعلم أنّ جثث كثيرة متناثرة في الشوارع والأحياء وداخل المنازل، إضافة إلى امتلاء المشارح التي تعاني تكدّس الجثث لمدة طويلة، وأيضا انقطاع التيار الكهربائي الذي يعيق حفظ الجثث في ظروف لائقة، من دون أن ننسى عدم وجود كوادر طبيّة في هذه المشارح.
ثانيا: نذكر أنّ بعض الجثث تحلّل تماما وبعضها في طور التحلّل، المدنيون لا يستطيعون دفن موتاهم ولا يستطيعون الوصول إليهم أحيانا.
من مات من الجوع ومن مضاعفات مرض مزمن في منزله، يُدفن هناك. ومن توفي في الشارع يبقى هناك، ومن توفي في المستشفيات الأغلبية يبقى هناك، الخروج بأيّ جثمان في هذه الظروف السيّئة هو مجازفة كبيرة.
الخرطوم وأم درمان أكثر المدن تضررا بسبب المعارك المستمرة وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
ما هي الأمراض التي قد تترتب على هذا الوضع؟
الدكتور عطية عبد الله: الأمراض كثيرة والمخاطر البيئية أكبر، مع فصل الخريف سيكون هناك انتشار للطاعون والأوبئة، التي تنتقل من خلال الماء مثل الكوليرا، خصوصا في ظل انعدام الإمداد المائي، وبالتالي فالسودانيون بلجأون لأيّ مصدر وإن كان ملوثا.
أزمة الجثث لا تثير مشكلا صحيًا فقط، وإنما أيضا أزمة أخلاقية، هذه جثث السودانيين، والمتصارعون سودانيون، هذه جريمة ضد السودانيين، لأن لا حرب ستأتي بخير على الشعب السوداني، جرّبنا الحروب ونعرف تبعاتها.
ويجب أن نشير إلى أنّ المشارح ممتلئة قبل الحرب، بسبب فضّ التظاهرات بالعنف وسقوط ضحايا.
هل هناك تقديرات لعدد الجثث؟ وهل تمّ تسجيل حالات إصابة بالطاعون؟
الدكتور عطية عبد الله: من الصعب إحصاء عدد الجثث في المستشفيات وفي الشوارع، نظرا لغياب الممرات الآمنة والإمكانيات للقيام بذلك. أما حالات الإصابة بالطاعون، فالنظام الصحي شبه منهار ولا يمكنه رصد أيّ حالة، حتى المعامل خارج الخدمة وتم الاستيلاء عليها من طرف مسلّحين.
لكن أنا لا أستبعد أن تكون هناك أوبئة مختلفة منتشرة، ليس فقط بسبب تحلّل الجثث، بل بسبب الهجوم على مختبرات بها عيّنات بيولوجية وبها فيروسات.
وكانت منظمة الصحة العالمية في أبريل قد حذرت من "خطر بيولوجي كبير"، بعد أن احتل أحد أطراف الصراع مختبر الصحة العامة المركزي في الخرطوم.
هل يمكن أن تصل الأوبئة إلى دول مجاورة خصوصا في ظل حركة النزوح واللجوء؟
الدكتور عطية عبد الله: أكيد، عندما ظهرت الحصبة في ولاية النيل الأزرق، نتوقع أن تكون منتشرة في جنوب السودان، يمكن أيضا أن نجدها في التشاد وإثيوبيا. استمرار هذه الحرب العبثيّة سيؤثر بلا شك على القرن الإفريقي بأكمله، وعلى النظام الصحي في الدول المجاورة.
هل هناك نصائح للمواطنين في ما يتعلق بالتعامل مع الجثث؟
الدكتور عطية عبد الله: للأسف لا يمكن القيام بمعايير السلامة أو النصائح التي نقدمها عادة في حالة سلم، نحن نعيش حالة اللادولة. نسعى اليوم للوصول إلى الموتى لدفنهم بعد جمع البصمات، ولكنّ محاولاتنا تُعيقها الممرات الآمنة.
أود الإشارة هنا إلى ضرورة دفن الجثث لأسباب أخلاقية أولا، ثم لأسباب صحية وبيئية، يجب أخذ البصمات والصور وعدم الدفن في مقابر جماعية، وعدم إفلات المسؤولين عن هذا الوضع من العقاب.
النظام الصحي لا يمكنه تقديم أيّ خدمة طبية، اذا استطعنا تطبيب الجرحى فسيكون خيرا وبركة، لذلك فالوفيات من الأمراض الأخرى أكثر من وفيات الحرب.