أزمات إنسانية متتالية، ورائحة موت ودمار، مشهد اعتاد السوريون عليه منذ اندلاع الحرب في بلادهم عام 2011 منذرا ببدء قرع طبول الكوارث والنكبات المتلاحقة على هذا الشعب الذي عانى ما عاناه من موت وغرق وجوع وبرد وتشرّد، لتأتي الكوارث الإنسانية وتكسر شعرة صبره وجَلَده، من تفشي وباء كورونا مرورا بالكوليرا وصولا إلى زلزال مدمر هو الأعنف منذ قرن.
زلزال هز القلوب قبل الحجر، وكما حرك الأبنية وعرّى أعمدتها، نفض معه الغبار عن الإنسانية التي اعتادت الظلام لسنوات، وأمام بكاء الأمهات وصياح الأطفال ودموع الآباء هبّت بلدان كثيرة معلنة تضامنها والعمل يدا بيد للمساعدة في تخفيف هول المعاناة.
حملات رقمية
وفي المقابل وعلى الرغم من ضعف الإمكانات ونقص التجهيزات توحّد السوريون في مبادرات عديدة داخل سوريا وخارجها لاحتواء ما تمكن من آثار الكارثة التي حلّت، واجتمعوا على أنه ورغم المصاب الأليم إلا أن ما يبلسم جراحهم هو تضامنهم، الذي لعبت فيه النساء دورا بارزا، حيث عمدت مجموعة كبيرة من الناشطات إلى ربط المحافظات السورية ببعضها البعض وخلق خط وقطار إنساني لدعم الناجين من الزلزال.
وبرزت أيضا حملات رقمية ومناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمغتربين سوريين وعرب طالبوا بإيصال تبرعاتهم ومساعداتهم إلى المتضررين بشكل آمن وموثوق، فكانت نساء سوريا خير من استقبل هذه الأموال والمساعدات العينية وأوصلتها بكل أمانة ودون أي تمييز.
الناشطة مريم كربوج (26 عاما) من العاصمة دمشق تقول لمنصة "المشهد" إنها لم تفكر يوما بأنها ستسهر ليال كاملة على الطرقات لكن النداء الإنساني دفعها لتقديم كل ما بوسعها لخدمة أبناء بلدها، معتبرة أنها لم تقدم شيئا بالفعل.
وأوضحت مريم وهي صيدلانية وناشطة في مجال الإغاثة حاليا، أنها تعمل على تأمين منازل سكن للناجين من الزلزال عبر إبرام عقود إيجار قانونية تتكفل هي بدفع قيمتها بفضل التبرعات التي تصلها عبر الإنترنت، معتبرة أن الاستفادة من التبرعات عبر تأمين المنازل واحدة من أفضل الطرق باعتبارها مطمئنة للمتبرع الذي سيحصل على صورة عن العقد بالإضافة إلى أنها تحل أزمة السكن التي بدأت بعد يوم واحد من الزلزال الذي دمّر آلاف المنازل في المناطق المنكوبة.
وعن دورها كصيدلانية، تقول مريم إنها "تتواصل مع جمعيات في المحافظات المنكوبة لمعرفة الحاجيات والنواقص من الأدوية وتعمل على تأمينها ومن ثم إرسالها عبر جمعيات موثوقة".
حاجات كثيرة
ومع تسبب الزلزال في دمار وانهيار كبيرين تحولت المدارس والجوامع والكنائس إلى مراكز إيواء للمتضررين، وبحسب الإحصائيات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية فقد ارتفع عدد المتضررين جراء الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا، إلى نحو 26 مليون شخص، 11 مليونا منهم في سوريا، بينهم مسنّون وأطفال، محذرة من تضرر كبير طال المستشفيات ما ينذر بأزمة استيعاب الأعداد الكبيرة للمصابين.
وأمام حجم المصاب تعددت أسباب الحاجة للمساعدة في بلد يعاني أساسا من فقر وبطالة وانعدام السلع والاحتياجات الأساسية فهبّت سواعد النساء قاطعة للطرق وعابرة للحدود لتمد يدَ الحب بكل شجاعة، وتقول صفاء الأكرم (24 عاما) التي تعمل رائدة أعمال وصاحبة شركة تجارية في دمشق: "أعلم تماما ماذا يعاني الإنسان عند فقدان أحد أقاربه فكيف هو الحال عند سقوط منزله أو حتى انهيار الحي الذي ترعرع وكبر فيه".
وانطلاقا من ذلك بدأت صفاء تعمل على خط دمشق، حلب، وجبلة في محافظة اللاذقية الساحلية، بعدما شعرت بأنها "غير قادرة على البقاء في منزلها وبعض السوريين في الشوارع دون مأوى".
وتضيف الشابة في تصريحات لمنصة "المشهد"، "بدأت أولا بتقديم المساعدات العينية (أدوية، ملابس، معلبات غذائية) لعدة جمعيات أثق بها وبعد مشاهدتي للشباب وعنفوانهم وهم يقومون بتسليم الأهالي المتضررة زادت رغبتي في المساعدة أكثر لزيادة ثقتي وإيماني بهم وبأمانتهم في إيصال هذه المساعدات".
وتشير صفاء إلى وجود الكثير من النساء المتطوعات في الجمعيات والمراكز لتنظيم عملية تقديم المساعدات وفرزها وفي مقدمتها "ملاك زيدان" التي تنشط في محافظة اللاذقية، موضحة أن عددا قليلا متواجد في المناطق المنكوبة وذلك بسبب "صعوبة ذهاب النساء من دون مجموعات مساعدة".
سنوات من جنون الحرب استهلكت من طاقة السوريين الكثير، وكانت كفيلة لتُفقد أي شعب إرادته في الحياة، ولكن مع حلول هذه الكارثة التي ألمت بهم وتجاوز عدد القتلى والمتضررين عشرات الآلاف كان لا بد من تضافر الجهود الإغاثية التي لعبت فيها السوريات دورا هاما أكّد على أهمية السواعد النسائية عند الأزمات.