تفاقم عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي المشهد السياسي، بما يهدد جهود المصالحة الوطنية المأزمة، ويضاعف تعقيدات الانقسام السياسي والأمني في البلاد، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
غياب القذافي الابن
فالاغتيال جاء في وقت تتصارع فيه حكومتان ومؤسسات منقسمة، بحسب المصادر ذاتها، فضلًا عن تعثر المسار الانتخابي، وسط نفوذ ميليشيات و"شبكات مصالح" تغذي الفوضى بفعل السيولة الأمنية.
إذًا، غياب القذافي الابن يخلق "فراغًا سياسيًا" ويقوّض الخيارات المحتملة خارج ثنائية الشرق والغرب الليبيين، الأمر الذي يعزز احتمال موجة احتجاجات أو توترات قبلية، ويزيد من اعتماد القوة والخيار العسكري على المسار أو التسوية السياسة في حل النزاعات، ويتيح لفاعلين مسلحين تعزيز نفوذهم على حساب الدولة، ليكون بذلك الاغتيال نقطة تحول خطيرة في مسار الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا.
وكان القذافي الابن قد تمّ اغتياله في مدينة الزنتان على يد 4 مسلحين مجهولي الهوية في عملية تبدو مباغتة ومدبرة، إذ تم اقتحام مقر إقامته وتعطيل كاميرات المراقبة.
فيما أكد محامي سيف الإسلام مارسيل سيكالدي أن سيف الإسلام قُتل داخل منزله في مدينة الزنتان على يد "فرقة كوماندوس من 4 أفراد".
وأوضح سيكالدي لوكالة "فرانس برس" أن الهوية الحقيقية لهؤلاء المسلحين لا تزال مجهولة حتى الآن.
إعادة تشكيل المشهد الليبي
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول الباحث الليبي المختص في العلاقات الدولية خالد محمد الحجازي، إن ما جرى هو بمثابة "حدث سياسي وأمني له تبعاته وتداعياته المؤثرة"، كما "لن يكون مجرّد تفصيل عابر، بل صدمة قد تعيد تشكيل المشهد الليبي وتدفعه نحو مزيد من التعقيد".
ويضيف: "سيف الإسلام لم يكن شخصية عادية في المعادلة، بل كان رقمًا صعبًا؛ لأنه يجمع بين رمزية النظام السابق وبين القدرة على استقطاب شرائح اجتماعية واسعة ترى في مرحلة ما قبل 2011 نموذجًا للدولة المركزية والاستقرار، أو على الأقل أقلّ فوضى مما تعيشه ليبيا اليوم".
سياق هذا التطور يأتي في لحظة انسداد سياسي تام، بحسب الباحث الليبي المختص في العلاقات الدولية، حيث توجد "حكومتان، مؤسسات منقسمة، مسار انتخابي متعثر، ونفوذ ميليشياوي بجانب شبكات مصالح تتغذى على الفوضى، فضلًا عن انعدام مشروع وطني جامع. وفي مثل هذا المناخ، تصبح إزاحة أو تصفية شخصية مثل سيف الإسلام إشارة واضحة إلى صراع إرادات في سباق الهيمنة السياسية والحكم. فوجود القذافي الابن كان يمثل خيارًا ثالثًا خارج ثنائية الشرق والغرب، وغيابه سيقلّص الخيارات ويدفع باتجاه استقطاب أكثر حدّة بين القطبين القائمين".
التداعيات المحتملة
وفي ما يتصل بالتداعيات المحتملة، فهي متفاوتة وخطيرة، على نحو ما يوضح محمد الحجازي، ويقول: "بداية، هناك ردّ فعل أنصار النظام السابق، سواء على شكل تعبئة اجتماعية واحتجاجات، أو توترات قبلية، أو حتى موجات انتقامية محلية، خصوصًا في مناطق حساسة مثل الجنوب أو مناطق النفوذ الرمزي للنظام السابق. ثم إن الاغتيال قد يُسقط عمليًا فكرة التسوية الشاملة عبر صندوق الانتخابات؛ لأن جزءًا من الليبيين سيشعر أن المعركة لا تُحسم بالسياسة بل بالقوة، ما يعمّق أزمة الثقة، ويعيد إنتاج منطق السلاح كأداة لتحقيق المكاسب".
الأخطر أن هذا الحدث قد يُستخدم لتصفية حسابات أوسع وإعادة توزيع النفوذ، عبر تعميق الفوضى وضرب أي مسار مصالحة، كما يشير المصدر ذاته، مؤكدًا أنه سيزيد من "قوة الفاعلين المسلحين والميلشيا كحالة أمنية وسياسية" على حساب الدولة، لأن إضعاف الرموز السياسية القادرة على تجميع جمهور واسع يفتح المجال لصعود "أمراء الحرب وشبكات الاقتصاد الموازي".
من ثم، تبدو ليبيا مقبلة على مرحلة أكثر هشاشة، في ظل الانقسام والفوضى والسيولة الأمنية.
الجمود والانقسام
يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي الليبي السنوسي إسماعيل والذي يرى أن المشهد السياسي الليبي، الذي يعاني بالأساس معضلة الجمود والانقسام، خلال الفترة الأخيرة، قد شهد محاولات حثيثة لكسر هذه الدائرة، على المستويين المحلي والدولي.
فعلى الصعيد الداخلي، يقول إسماعيل لـ"المشهد" إنه قد برزت مبادرات لتدشين مسار للمصالحة الوطنية، بوصفها مدخلًا ضروريًا لإعادة ترميم الوضع الداخلي بتشابكاته وتعقيداته السياسية والمجتمعية القبلية، ومن ثم، احتواء تداعيات الصراع، في ظل قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن استمرار الانقسام يفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية ويقوّض فرص الاستقرار.
أما دوليًا، فقد ترافقت هذه الجهود مع تحركات سياسية تقودها أطراف إقليمية ودولية، تهدف إلى إطلاق مسار "حوار سياسي مهيكل" يقوم على جمع الفرقاء الليبيين حول طاولة تفاوض واحدة، لجهة التوصل إلى مقترحات عملية تشكّل مقاربات واقعية لحل القضايا العالقة، وفي مقدمتها ملف السلطة التنفيذية، توحيد المؤسسات، والاستحقاق الانتخابي المؤجل.
مرحلة جديدة من عدم اليقين
غير أن هذه المساعي اصطدمت بعملية اغتيال سيف الإسلام والتي أعادت "خلط الأوراق"، فهو يُعدّ "رمزًا بارزًا لتيار أنصار النظام السابق، ويمثّل حضوره السياسي والاجتماعي عامل توازن دقيق في معادلة الانقسام الليبي"، وفق المحلل السياسي الليبي، مؤكدًا أن الحادث بملابساته واعتباراته المختلفة، خصوصًا مع المؤشرات الأولية التي توحي بأن الهجوم كان مدبّرًا بعناية، وفق ما يبدو من محاولات طمس الأدلة، وعلى رأسها تعطيل كاميرات المراقبة في مقر الإقامة المستهدف، ستكون له انعكاسات وتداعيات من شأنها أن تؤزم المشهد السياسي وتطيل أمد عدم الاستقرار.
ولئن يعيد هذا التطور الخطير الكشف عن هشاشة الوضع الأمني في ليبيا، وكذلك حجم التعقيدات التي تحيط بأي مسار سياسي، فإن اغتيال القذافي الابن يطال على مستوى التداعيات كذلك "التوازنات السياسية والاجتماعية، وربما تؤثر بشكل مباشر في فرص نجاح جهود الحوار والمصالحة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد وعدم اليقين في البلاد"، بحسب ما ألمح السنوسي إسماعيل.
ويختتم حديثه قائلًا: "يفتح هذا التطور الباب أمام موجة جديدة من الشكوك والتوترات، ويعزز مناخ عدم الثقة بين الأطراف الليبية، في وقت كانت فيه المساعي المحلية والدولية تتركز على إعادة إحياء المسار السياسي وتخطي مربع الصراع والإقصاء العنيف".