سجلت سوريا أول حضور رسمي لها في عمليات مكافحة تنظيم "داعش" منذ إعلان انضمامها إلى "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي، وذلك عبر تنفيذ وزارة الداخلية السورية عمليتين أمنيتين في ريف إدلب أسفرتا عن مقتل عنصرين رفضا تسليم نفسيهما، واعتقال آخرين، وفق بيان رسمي أوضح أن العمليتين جرتا في منطقتي الدانا شمال المحافظة وغرب مدينة إدلب.
وجاء ذلك بعد ساعات من إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ عملية مشتركة مع قوات سورية ضد أهداف للتنظيم في ريف دمشق.
وأعادت هذه العمليات فتح ملف التنسيق الدولي في محاربة "داعش"، مثيرة تساؤلات واسعة حول طبيعة التحول المحتمل في مقاربة كل من واشنطن ودمشق لهذا الملف، خصوصًا في ظل اعتماد الولايات المتحدة، خلال السنوات الماضية، على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها الشريك الأساسي في جهود مكافحة الإرهاب في شمال وشرق سوريا.
شراكة "قسد" والتحالف الدولي
تعتبر الشراكة بين "قسد" والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لجهود القضاء على تنظيم "داعش" منذ عام 2014 إذ اعتمد التحالف على "قسد" باعتبارها القوة البرية الأكثر تنظيمًا وقدرة على مواجهة التنظيم في شمال وشرق سوريا، بينما وفر التحالف الغطاء الجوي والاستخباراتي والدعم اللوجستي والتدريب العسكري.
أسهم هذا التعاون في تفكيك البنية العسكرية لـ"داعش"، وتحرير مناطق واسعة من سيطرتها.
وبعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة "داعش" شرح وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى هذه الخطوة بالقول إن "التحالف السياسي يختلف عن عملية العزم المتأصل، وهي غرفة عمليات عسكرية"، في إشارة إلى المهمة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد "داعش" في سوريا والعراق، التي تعاونت فيها لسنوات مع "قسد" وقوات الأمن العراقية، مشيرًا إلى أن هناك تنسيقًا بين الولايات المتحدة والحكومة السورية في الوقت الحاضر في بعض الحالات بشأن العمليات ضد "داعش".
لكن المصطفى أكد أن "سوريا ليست جزءًا من عملية العزم المتأصل التي تنفذ عمليات هذا التحالف".
كذلك تطرق الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، إلى مواجهات السلطات الجديدة مع تنظيم "داعش" قائلًا: "كنا في حرب مع التنظيم لمدة 10 سنوات، وكانت حرباً صعبة وشاقة، وفعلنا ذلك دون تنسيق مع قوة غربية أو أيّ دولة أخرى. سوريا اليوم قادرة على تحمل هذه المسؤولية".
دمشق بديل عن "قسد"؟
يقول المحلل السياسي حسام طالب في حديث إلى منصة "المشهد"إنّ "دمشق لا تريد أن تقدم نفسها بديلًا عن أحد، فهي الدولة وتريد أن تقدم نفسها كدولة قادرة على تحقيق مصالح شعبها وبسط الأمن والاستقرار".
ويضيف طالب: "قسد هي جزء من سوريا، وضمن اتفاق 10 مارس، يجب أن تنضوي تحت قيادة الجيش السوري كمؤسسات عسكرية وأمنية. وهذا الأمر ليس تعديًا من الدولة، نحن لا نتحدث من موقع تعال، ولكن هذا هو الواقع، "قسد" ليست بديلًا عن الدولة".
ويوضح طالب أن "قسد لم تصدر حتى الآن أيّ تعليق رسمي بشأن العملية المشتركة التي جرت بين أعلى قيادة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط والدولة السورية". ويشير إلى أنّ ما يمكن رصده، استنادًا إلى المتابعة والمراقبة وبعض المعطيات المتاحة من تصريحات مسؤولي وقيادات "قسد"، يكشف عن وجود حالة من القلق أو الريبة لديهم تجاه هذا التعاون.
ويبيّن طالب أنّ "مصدر هذا القلق يعود إلى أن التعاون هذه المرة يجري بشكل مباشر مع القيادة المركزية الأميركية، وليس عبر جنرالات أو مبعوثين أميركيين كما كان يحدث سابقًا، وهو ما يثير مخاوف لدى "قسد" من احتمال أن تقدم الولايات المتحدة على التخلي عنها في سياق هذا المسار الجديد من التنسيق، الأمر الذي يفتح الباب أمام دلالات ومعطيات إضافية".
من جهته، يؤكد الباحث في المركز الكردي للدراسات طارق حمو لـ"المشهد" أنه "منذ توقيع السلطة المؤقتة وثيقة التعاون السياسي مع التحالف الدولي ضد "داعش"، تحاول السلطة تقديم نفسها كشريك للتحالف (وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية) لمحاربة "داعش" وغيرها من التنظيمات الجهادية، وقد قامت السلطة ببعض "العمليات" في إدلب وغيرها، لكي تظهر أن هناك تحركاً عملياً ضد المجموعات الإرهابية وضد إرهابيين مطلوبين بالأسماء".
وبحسب حمو "رغم أن هذه العمليات بقيت شكلية، ولم تسفر عن تحييد مطلوبين أو القبض عليهم، إلا أن إعلام السلطة ذهب في تضخيم وتصوير كل تلك التحركات على أنها "عمليات تتم بالتشاور والتعاون مع التحالف"، وأنها بوادر مرحلة جديدة ستدفع التحالف وأميركا للتخلي عن حليفها الموثوق "قسد"، وستذهب في اعتماد السلطة كحليف وشريك جديد لها. لكن الواقع يقول شيئًا آخر، وهو مضي التحالف في ترسيخ تعاونه الاستخباراتي والعسكري مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من خلال توسيع القواعد العسكرية والاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية في ملاحقة المطلوبين وشنّ عمليات المداهمة والإنزال التي تستهدف هؤلاء بالمشاركة مع وحدات مكافحة الإرهاب في قوات سوريا الديمقراطية، وفي مناطق تقع تحت سيطرة السلطة، دون إخطارها مسبقاً".
وهو ما يعني وفقًا لحمو "انعدام ثقة التحالف في السلطة، ناهيك عن أن الميزان يميل لصالح "قسد" ذات التجربة العريقة في العمل العسكري مع التحالف، وخبرتها الكبيرة التي كونتها عبر عشرات عمليات الملاحقة وتصفية المطلوبين".
التعاون الأميركي مع "قسد"
وفقًا لعديد التقارير الغربية، تحاول الولايات إيجاد صياغة متوازنة للتعاون العسكري والاستخباراتي، بحيث يدعم جهود مكافحة الإرهاب دون الإضرار بمؤسسات الدولة السورية، وسط مخاوف مستمرة من إساءة فهم هذا التعاون أو اختزاله في إطار محدود.
وفي هذا السياق، يقول الباحث الكردي حمو إن "قسد مطمئنة من أن التحالف سيواصل تعاونه معها، والمضي قدماً في إشراكها في العمليات الدقيقة والحساسة في كل الجغرافيا السورية، مع ترحيبها بانضمام السلطة إلى التحالف، وإمكانية التعاون معها في رصد وملاحقة الخلايا الارهابية، وهو الأمر الذي لم يحدث بعد".
ويتابع قائلًا:
- هناك شك كبير في قدرات ورغبة الأجهزة السورية في ملاحقة تنظيم "داعش" وإظهار أداء فعال، وذلك يعود لطبيعة وتكوين هذه الأجهزة.
- حتى الآن لم تقدم السلطة سوى وعود، لكن دون إجراءات واضحة وفعالة على الأرض.
- التحالف الدولي يراقب أداء الحكومة المؤقتة في محاربة "داعش" أو تقديم معلومات تؤدي إلى التضييق عليه.
- الحكومة في دمشق تخضع حالياً لفترة اختبار، وأن التحالف، وفي حال فشلت الحكومة في الإيفاء بوعودها والتزاماتها حيال التحالف وعدم تقديمها إنجازات حقيقية، سوف يلجأ إلى الدفع بالوحدات المختصة بمكافحة الإرهاب التابعة لـ"قسد" لكي تشرف على مجمل العمليات العسكرية والاستخباراتية.
- ستجد عنواناً لتأطير كل ذلك ضمن عملية "الاندماج" كون قوات سوريا الديمقراطية ستكون جزءًا من الجيش السوري.
فيما يرى طالب أن هناك فهمًا مغلوطًا في بعض التحليلات بشأن طبيعة التعاون بين الولايات المتحدة و"قسد". ويؤكد أن الصورة الكاملة للتعاون الأميركي مع سوريا أكبر وأوسع من مجرد "قسد".
ويوضح طالب أن الأمر لا يتعلق بعدم الاعتماد على "قسد" أو بالتراجع عن التعاون معها، حيث إن "قسد" تمثل جزءًا من 3 أو 4 محافظات في سوريا، وهناك تعاون قائم بينها وبين التحالف الدولي، لكن الـ9 أو الـ10 محافظات الأخرى تظل تحت سيطرة الدولة السورية بشكل كامل.
ويشير طالب إلى أن "اختزال كل تعاون واشنطن مع سوريا على "قسد" فقط سيكون أمرًا خاطئًا ومضرًا، خصوصًا مع انفتاح الإدارة السورية الجديدة، لأنه سيعطل قدرة الولايات المتحدة على المشاركة الفاعلة في مكافحة الإرهاب على باقي الأراضي السورية، التي تشكل أكثر من ثلثي مساحة البلاد".
ويؤكد طالب أن التعاون مع دمشق لا يعني بأيّ حال من الأحوال التخلي عن "قسد"، مؤكدًا أن هذا القول يعد ظلمًا للحكومة السورية الجامعة لكل السوريين، وانتقاصًا من "قسد" نفسها، التي لم تتخلَّ عنها أميركا حتى الآن، ومن غير المرجح أن تفعل ذلك مستقبلًا.
الجدير بالذكر أن مجلس الشيوخ الأميركي أقر الموازنة العامة لوزارة الدفاع الأميركية، للعام المقبل 2026، بقيمة 914 مليار دولار، تضمنت تخصيص 130 مليون دولار أميركي لـ"قسد" و"جيش سوريا الحرة"، في حين تجاوز المبلغ حاجز الـ147 مليون دولار في الموازنة الماضية، للعام الحالي.