خلال عام 2023، عاش العراقيون أوقاتا سعيدة مع الفوز بكأس الخليج للمرة الـ4 في تاريخ البلاد، وأوقاتا صعبة للغاية مع أحداث مدينة كركوك الدامية ومأساة حريق الحمدانية، لكن في الوقت ذاته ظلت التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية المتأرجحة، هي الأكثر تأثيرا على مزاج الشارع والمواطن العراقي والذي يأمل أن يحمل له عام 2024 استقرارا سياسيا واقتصاديا.
الفوز بكأس الخليج
بدأ العراق عام 2023 بفرحة رياضية عمّت محافظات مختلفة، وردّد العراقيون أغنية "عاش العراق" للفنانة رحمة رياض في جميع المدن والأحياء، بعد فوز المنتخب بكأس الخليج للمرة الـ4 في تاريخه يوم 19 يناير، وتغلّبه على نظيره العُمانيّ بـ3 أهداف مقابل هدفَين.
وفي تطورات المشهد الاقتصادي في فبراير 2023، قرّر البنك المركزيّ العراقي، بالتنسيق مع الحكومة العراقية، رفع قيمة الدينار العراقيّ أمام الدولار من 1460 الى 1320 دينارًا للدولار الواحد، وذلك ضمن القرارات العاجلة التي اتخذها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، لتخفيف أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار في الأسواق.
وأقرت هيئة التحكيم في غرفة التجارة الدولية في باريس، قرارًا بإيقاف تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي، وأبلغت تركيا سلطات الإقليم بإيقاف التصدير انصياعًا لقرار المحكمة، اعتبارًا من 23 مارس 2023، ليتمّ استئناف تصديره نهاية شهر مايو 2023 إثر تسوية بين بغداد وأربيل، وذلك عبر شركة النفط العراقية "سومو"، وبأحقية بغداد بإدارة كامل نفط إقليم كردستان.
وكانت حكومة إقليم كردستان، قبل هذا القرار تحتفظ بواردات النفط في شمال العراق، وتقوم بتصديره عبر خط أنابيب تابع لها إلى فيش خابور عبر الحدود الشمالية، حيث يدخل النفط إلى تركيا، ويتمّ ضخّه إلى ميناء جيهان على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
إقرار الموازنة
وفي منتصف شهر مايو 2023، تمّ إقرار الموازنة السنوية الأضخم في العراق منذ عام 2003، وتم خلال الموازنة تعديل بعض موادّ الدستور، ومنها المادة 14 التي أثارت حفيظة إقليم كردستان، ودفعت رئيس الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ مسعود بارزاني إلى وصفها بالتجاوزات على حقوق الإقليم وشرعيّته، قائلًا: "إقليم كردستان ليس فقط خطًّا أحمر بل خطّ الموت".
وأعطت المادة 14 بعد التعديل، الشرعية للحكومة الاتحادية في بغداد باقتطاع المستحقات المالية لأيّ محافظة من محافظات إقليم كردستان وتمويلها بشكل مباشر، (أي توزيع رواتب موظفي الإقليم عن طريق بغداد وليس أربيل) وذلك في حال لم تقم حكومة الإقليم بصرف المستحقات المالية للمحافظات، وفقًا للمعايير المتّبعة في القانون.
وفي نهاية شهر مايو، قضت المحكمة الاتحادية، بعدم دستورية برلمان إقليم كردستان، واعتبار كل القرارات الصادرة عن برلمان الإقليم من تاريخ أكتوبر 2022 ملغاة وباطلة.
حرق القرآن الكريم
وخلال شهر يونيو، شهد العراق ضجة واسعة، وتظاهرات، ومواقف دينية وسياسية واقتحام وحرق السفارة السويدية، إثر إقدام العراقيّ سلوان موميكا على حرق نسخة من القرآن في السويد.
وقامت الحكومة العراقية على إثرها بطرد السفيرة السويدية، تعبيرًا عن غضبها من موقف ستوكهولم والسماح بحرق المصحف والعلم العراقي، بحجّة حرية التعبير.
ومع بداية الأسبوع الأول من شهر يوليو، أصدر رئيس الجمهورية العراقية عبد اللطيف رشيد، قرارًا بسحب المرسوم الجمهوريّ الخاص بتعيين البطريرك لويس سايكو، في منصب بطريرك بابل على الكلدان في العراق والعالم، ومتولّيًا لأوقافها، ما دفع البطريركية الكلدانية في العراق إلى إعلانها رفض القرار الرئاسي.
ورغم أنّ رئاسة الجمهورية أكدت أنّ البطريرك سايكو يحظى باحترام وتقدير رئاسة الجمهورية، وأنّ القرار جاء لتصحيح وضع دستوري، إلا أنّ مواقع عراقية محلية نشرت معلومات كشفت من خلالها أنّ القرار جاء بسبب ضغوط على رئاسة الجمهورية من قبل أطراف مسيحية أخرى.
أحداث كركوك
ومع بداية شهر سبتمبر 2023، شهدت مدينة كركوك ليلة دامية، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين متظاهرين كرد وقوات الأمن ومحتجين عرب من كركوك، بعدما قام عدد من المحتجين العرب الرافضين لعودة الحزب الديمقراطيّ الكردستاني إلى كركوك، بالاعتصام أمام مقر قيادة العمليات المشتركة، (المقر الذي يشغله الحزب الديمقراطيّ الكردستاني)، ما دفع محتجين كردًا إلى المطالبة بوقف الاعتصام، وأدى الاشتباك بين الجانبَين إلى سقوط 4 ضحايا و16 جريحًا.
وتُعتبر مدينة كركوك ضمن المناطق المتنازع عليها، بحسب المادة 140 من دستور العراق، حيث تم تعريبها أثناء حكم حزب البعث في العراق، وغالبًا لا تزال ذات هوية ووجود كردي.
حريق الحمدانية
ومع نهاية شهر سبتمبر 2023، شهد العراق مأساة الحمدانية، حيث اندلع حريق هائل في قضاء الحمدانية شرقي المواصل، أثناء حفلة زفاف، خلّف عشرات الضحايا والمصابين، وضجّت وسائل التواصل الاجتماعيّ بصور ومقاطع فيديو للعروسَين والضيوف أثناء اندلاع الحريق.
وفي أكتوبر عادت مشاهد قصف المقرات والقواعد الأميركية من قبل الفصائل المسلحة، بعد أكثر من عام على توقّف هذه المشاهد، وذلك على خلفية الحرب في غزة، وإعلان الجانب الأميركيّ مساندته لإسرائيل.
عزل الحلبوسي والانتخابات
وفي نوفمبر، قررت المحكمة الاتحادية العليا إنهاء عضوية رئيس البرلمان العراقيّ محمد الحلبوسي من مجلس النواب، على خلفية دعوى تقدم بها النائب السابق ليث الدليمي متّهمًا الحلبوسي بتزوير استقالة للدليمي ودفعه للتوقيع على ورقة بيضاء، إضافة إلى اتهام الحلبوسي بالتعاون مع جهات إسرائيلية لتمهّد تطبيع العراق مع إسرائيل.
وفي 18 ديسمبر، أجرى العراق انتخابات مجالس المحافظات لأول مرة منذ 10 أعوام، حيث جرت آخر مرة في عام 2013.
2024 عام الاستقرار
وحول مستقبل العراق في عام 2024، قال رئيس مركز المورد للدراسات الإعلامية نجم القصاب خلال حديثه مع منصة "المشهد": "أعتقد أنّ عام 2024، سيكون عام استقرار اقتصاديّ وسياسي، خصوصا بعد تمرير الموازنة وانطلاقها، والتي تنضوي على مليارات الدولارات، وبالتالي سينعكس ذلك إيجابًا على الاستقرار السياسيّ والأمني، كما أنّ انطلاق الانتخابات المحلية، وانتخاب محافظين ومجالس المحافظات، يعطي لربما قوة وتوسّعًا في المشاريع داخل المحافظات".
وعن الناحية الأمنية، قال القصاب، إنّ الوضع الأمنيّ سيكون أكثر استقرارًا، خصوصًا بعد إلقاء القبض على مهاجمي القواعد الأميركية، "كلها مؤشرات إيجابية أنّ الحكومة العراقية لا تجامل، بل تشخّص وتُظهر جدّية في الحفاظ على الأمن والاستقرار".
وفي ما يخص أمن إقليم كردستان، يرى القصاب أنّ الإقليم سيشهد استقرارًا نوعيًا، لأنّ استقرار بغداد يدعم استقرار أربيل والسليمانية، خصوصًا بعد انطلاق الانتخابات في كركوك، مما سيساهم في حل الصراع الكرديّ -الكردي، والشيعيّ- الكردي، والعربيّ- الكردي، مضيفًا: "كل الموشرات تؤكد أنّ عام 2024 سيشهد استقرارًا أكثر من السنوات الماضية".