رغم ما يبدو من تباين ظاهري بين جماعة "الإخوان" ونظام "الولي الفقيه" في إيران، فإن التخادم السياسي والعلاقات البراغماتية بين الطرفين في محطات تاريخية متفاوتة بداية من لحظة التشكل الأولى لطرفي الإسلام السياسي في نسختيه السنية والشيعية، يؤشر إلى غلبة المصالح والأهداف الإستراتيجية على التناقضات الأيدولوجية.
التحالف بين "الإخوان" وطهران
فالجماعة الأم للإسلام السياسي، التي تأسست في القاهرة عشرينيات القرن الماضي، ارتبطت بالقوى الأصولية في طهران حتى قبل عام 1979 وتدشين "الجمهورية الإسلامية"، حيث دعا المنظر "الإخواني" سيد قطب مؤسس منظمة "فدائيان إسلام" نواب صفوي المعارض للشاه والذي سبق أن وصفه المرشد الإيراني علي خامنئي بـ"مهندس الشهادة والجهاد في زماننا" لحضور أحد مؤتمرات "الإخوان" بالقاهرة مطلع الخمسينيات.
كما أن المرشد الإيراني ذاته الذي تم استهدافه قبل أيام، قد ترجم كتاب سيد قطب: "معالم في الطريق" للفارسية بعنوان: "بيان ضد الحضارة الغربية"، وهو الكتاب الذي يعد الحامل النظري للقوى الراديكالية والجماعات الجهادية المسلحة المتبنية الأفكار التكفيرية.
من ثم، لا تعدو الارتباطات العضوية التي جمعت "الإخوان" وفروعها الإقليمية المختلفة بإيران كما شكبة وكلائها الميلشياويين في المنطقة، بداية من اليمن مرورًا بالعراق وسوريا وحتى لبنان، كونها أمرًا طارئًا أو عرضيًا، إنما له سوابق عديدة، كما يكشف عن تحالفات متينة.
مجال إقليمي مضطرب
في حديثها لـ"المشهد"، توضح الأكاديمية التونسية صابرين الجلاصي أن التخادم السياسي بين جماعات "الإخوان" وإيران لا يمكن فهمه خارج إطار ما تصفه بـ"التبادل الوظيفي" داخل بيئة إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها الحسابات البراغماتية مع توظيف الرأسمال الرمزي للدين في صيغته المؤدلجة والمُسيّسة.وتوضح الجلاصي أن مرحلة ما بعد عام 1979 مثّلت نقطة تحوّل مفصلية، إذ تبلور ما يمكن تسميته بـ"الأفق الإسلامي العابر للمذهب"، أو "الفضاء الإسلامي المتعدد المرجعيات"، وهي مقاربات مفاهيمية تعكس محاولة لتجاوز الانقسامات المذهبية من دون إلغائها، خصوصًا في المجال الديني.
وعليه، قدّمت إيران نفسها ضمن هذا الإطار بوصفها قوة مقاومة لـ"الاضطهاد" ومناهضة لما تصفه بـ"دول الاستكبار"، وفي مقدمتها إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الخطاب لامس المخيال السياسي للحركات الإسلاموية السنية وحواضنها الاجتماعية ما أتاح أرضية مشتركة للتقاطع السياسي، رغم التباينات العقائدية البنيوية بين الطرفين.
أنماط التخادم
ومن هنا، تعددت أشكال التخادم، وفق الجلاصي، ففي فلسطين يبرز التخادم مع إيران ضمن علاقة غير مباشرة وذلك من خلال دعم الأخيرة لفصائل مثل "حماس"، وهنا تتجلى أساس العلاقة وهي "تبادل الموارد" بمعنى أن إيران توفر الدعم السياسي والمالي واللوجستي مقابل تحصيلها لرأسمال رمزي في الجماعات السنية داخل المجتمعات العربية بوصفها الداعم والمدافع عن القضية الفلسطينية وعن الهوية الإسلامية.
بالمقابل، تستفيد "حماس" من هذا الدعم لتعزيز قدرتها التفاوضية وموقعها الداخلي، حتى حين تشهد العلاقة توترات ظرفية (كما بعد اندلاع الأزمة السورية 2011). هذه الحالة تكشف أن التخادم يعمل كشبكة مرنة قابلة لإعادة الضبط وفق موازين القوى الإقليمية.
وتردف: "رغم أن إيران قدمت دعمًا عسكريًا واضحًا للنظام السوري السابق، في إطار ما بدا تحالفًا قائمًا على شبكة مصالح عقائدية بالدرجة الأولى، ثم سياسية وإستراتيجية بالدرجة الثانية، فإن المشهد في عمقه كان أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما ظهر على السطح".
ففي موازاة هذا الدعم، برزت مؤشرات على انخراط طهران في قنوات تواصل ودعم مع جماعات معارضة ذات خلفية "إخوانية"، وهو ما يكشف أن محددات السلوك لم تكن أيديولوجية خالصة، بل محكومة ببراغماتية سياسية تضع الحسابات الجيوسياسية فوق أي رابطة عابرة للحدود. هذه الازدواجية الظاهرة تعكس حقيقة أن العلاقات في الإقليم لا تُدار بمنطق الكتل الصلبة أو الاصطفافات العقائدية الثابتة، بل ضمن شبكة مصالح ديناميكية تتبدل أولوياتها تبعًا لموازين القوة واعتبارات الأمن القومي.
وفي الحالة التونسية، اتخذ التخادم طابعًا مختلفًا، حيث اتسم بقدر عال من "البراغماتية الحذرة"، بحسب الجلاصي، موضحة أنه برغم "الانتماء الفكري لـحركة النهضة إلى المرجعية "الإخوانية"، وكذلك التقاطعات الفكرية مع خطاب الثورة الإسلامية الإيرانية، إلا أن العلاقة مع إيران لم تتجاوز حدود التواصل الحذر".
ومع ذلك، لم تنخرط "النهضة" في قطيعة خطابية مع ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، بل أبقت خطابها ضمن "هامش رمادي" يتيح لها تجنب الاصطفاف الحاد، من دون أن تنسف جسور التواصل بالكلية، كما تشير الأكاديمية التونسية.
يقول الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي الدكتور عبد السلام القصاص إن التخادم السياسي بين "الإخوان" وإيران قد برز على نحو واضح في حرب غزة والتي كانت لحظة انكشاف قصوى، بعثت حقيقة لطالما كان يتم إخفاؤها والتعمية عنها.
وهذه الحقيقة مفادها أن هناك جملة "أدوار وظيفية" تؤديها هذه القوى لحساب النظم الرعائية أو الوصائية التي تدير تنظيمات ولائية تعمل على تأزيم الأوضاع الإقليمية لحساب رهاناتها ومصالحها، وبما يحقق لكل طرف فوائد سياسية، ويراكم فوائض قوة يتم التفاوض بها مع خصومهم السياسيين، محليًا وإقليميًا، بحسب ما يوضح القصاص لـ"المشهد".
الانفجار السياسي
ويوضح الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي، أن الاصطفاف الذي حدث مع النظام الإيراني في 7 أكتوبر باعتباره "مهندس الحرب التي اندلعت مع هجمات "حماس" على إسرائيل، ليس أمرًا مباغتًا، إنما يعد الخيط الرئيس الممتد مع اللحظة الراهنة، وهو بمثابة الانفجار السياسي العظيم الذي تعيش المنطقة مآلاته في دورة جديدة من التأزم الآن، بما يكشف عن الأدوار التي تضطلع بها الأطراف الإسلاموية وعدم وجود فروقات بينها"، سواء كانت "القاعدة" أو "حماس" أو "داعش" أو "الحوثي" أو "الإخوان"، مؤكدًا على أنها شبكة تخادم وظيفي لحساب طرف إقليمي ممثلًا في طهران.
يتفق والرأي ذاته، الباحث المختص في الشأن الإيراني بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) محمود حمدي أبو القاسم، لافتًا في حديثه لـ"المشهد" إلى سعي طهران بعد وصول "الإخوان" للحكم بمصر عام 2012، أن تقع في مدار الولي الفقيه السياسي، وتبعية لمصالحها، حيث كانت هناك محاولة لتكرار تجربة الملالي في القاهرة، تحديدًا في ما يتصل بتشكيل "الحرس الثوري" كجيش عقائدي يتبنى قيم الجماعة وأدبيات المرشد المؤسس حسن البنا ضد قيم المواطنة وفي مواجهة الجيش المصري. كما أن أول زيارة خارجية لمحمد مرسي، كانت لطهران، بخلاف التقاليد الدبلوماسية المصرية.
تأزيم أوضاع الإقليم واستغلال لحظات التحول أو الفراغ السياسي، يعد ضمن تكتيكات النظام الإيراني لتمرير وتعميم مصالحها أو بالأحرى فرض رؤيتها الإقليمية، قسرًا. ذلك ما كشفت عنه صحيفة "ذا إنترسبت" الأميركية، في تقرير لها عام 2019، وقد سربت وثائق لاجتماع بين "فيلق القدس" و"الإخوان" في تركيا عام 2014، ناقش فيه الطرفان آليات وسبل مواجهة خصومهم الإقليميين ومنها أطراف خليجية، خصوصًا في لحظة تصدت فيها أبو ظبي والرياض بينما ساندت مصر ضد مشروع التمكين الإخواني.
ومن بين الملفات التي نوقشت في اجتماع تركيا بين "الإخوان" و"فيلق القدس" وفق ما كشفته وثائق الصحيفة الأميركية، الملف اليمني والعلاقة بين "الحوثي" وحركة "الإصلاح" الذراع السياسية "للإخوان"، ودور الأخيرة في التنسيق والتحالف مع قبائل سنية يمنية.